تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في وصف الملائكة بذلك : ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ إلى قوله : ﴿ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ [ الأنبياء : 26ـ 28 ] ، وقال تعالى : ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا . أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا . لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [ مريم : 88 ـ 95 ] .

وقال تعالى عن المسيح ـ الذي أدعيت فيه الأُلوهية والنبوة : ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [ الزخرف : 59 ] ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى / ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا : عبد اللّه ورسوله ) .

وقد نعته اللّه بالعبودية في أكمل أحواله فقال في الإسراء : ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ [ الإسراء : 1 ] ، وقال في الإيحاء : ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [ النجم : 10 ] ، وقال في الدعوة : ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾ [ الجن : 19 ] ، وقال في التحدي : ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ﴾ [ البقرة : 23 ] ، فالدين كله داخل في العبادة .

وقد ثبت في الصحيح : أن جبريل لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي وسأله عن الإسلام قال : ( أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً ) . قال : فما الإيمان ؟ قال : ( أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدرخيره وشره ) . قال : فما الإحسان ؟ قال ( أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ( . ثم قال : في آخر الحديث : ) هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم ) فجعل هذا كله من الدين .

والدين يتضمن معنى الخضوع والذل . يقال : دنته فدان، أي : ذللته فذل، ويقال : يدين اللّه، ويدين للّه أي : يعبد اللّه ويطيعه ويخضع له، فدين اللّه عبادته وطاعته والخضوع له .

/والعبادة أصل معناها : الذل ـ أيضًا ـ يقال : طريق معبد إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام .

لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل للّه بغاية المحبة له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام وهو الحب اللازم للقلب، ثم العشق وآخرها التتيم يقال : تيم اللّه، أي : عبد اللّه، فالمتيم المعبد لمحبوبه .

ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئًا ولم يخضع له لم يكن عابداً له، كما قد يحب ولده وصديقه؛ ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة اللّه ـ تعالى ـ بل يجب أن يكون اللّه أحب إلى العبد من كل شىء، وأن يكون اللّه أعظم عنده من كل شىء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا اللّه .

وكل ما أحب لغير اللّه فمحبته فاسدة، وما عظم بغير أمر اللّه كان تعظيمه باطلاً، قال اللّه تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [ التوبة : 24 ] ، فجنس المحبة تكون للّه ورسوله، كالطاعة، فإن الطاعة للّه ورسوله / والإرضاء للّه ورسوله : ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [ التوبة : 62 ] ، والإيتاء للّه ورسوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ [ التوبة : 59 ] .

وأما العبادة وما يناسبها من التوكل، والخوف، ونحو ذلك فلا يكون إلا للّه وحده، كما قال تعالى : ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [ آل عمران : 64 ] ، وقال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ [ التوبة : 59 ] ، فالإيتاء للّه والرسول كقوله : ﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [ الحشر : 7 ] ، وأما الحسب وهو الكافي فهو اللّه وحده، كما قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [ آل عمران : 173 ] ، وقال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأنفال : 64 ] ، أي : حسبك وحسب من اتبعك اللّه .

المفصل في شرح آية الولاء والبراء · الصفحة ١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح آية الولاء والبراءص ١٥٩