ثم أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة بعد ذلك ذا الحجة والمحرم من السنة التاسعة وصفر وربيع الأول والآخر وجماد الأول والآخر ، وخرج في رجب سنة تسع إلى غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها النبي ، وفيها نزلت أكثر آيات السورة الكريمة.
ولما انصرف رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من تبوك أراد الحج ولكنه قال : يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت فلا أحب أن أحج معهم ، فأرسل أبا بكر أميرا على الحج ، ثم لما خرج أرسل بعده عليا وقال له : « اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس إذا اجتمعوا » وقال : « لا يبلغ عنى إلا رجل منى »فخرج علىّ على العضباء ناقة الرسول فأدرك أبا بكر في ذي الحليفة وأم أبو بكر - رضى اللّه عنه - الناس في الحج ، وقرأ علىّ على الناس صدر سورة « براءة » . (1)
سورة التوبة - سورة براءة عدد آيها ثلاثون ومائة ، وهى مدنية ، ولها أسماء كثيرة : منها الفاضحة لما تضمنته من ذكر أسرار المنافقين وأنبائهم بما فى قلوبهم من الكفر وسوء النيات ، والمدمدمة والمخزية.
وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك ، وهى آخر غزواته - صلى الله عليه وسلم - ، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ زمن العسرة ، وفى أثنائها ظهر من علامات نفاق المنافقين ما كان خفيّا من قبل.
وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة ، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا ليقرأها على المشركين فى الموسم.
روى البخاري عن البراء بن عازب قال : آخر آية نزلت « يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ » وآخر سورة نزلت براءة.
ووجه المناسبة بينها وبين ما قبلها - أنها كالمتممة لها فى معظم ما فى أصول الدين وفروعه ، وفى التشريع الذي جلّه فى أحكام القتال والاستعداد له ، وأسباب النصر فيه ، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضى لذلك ، وأحكام الولاية فى الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض ، والكافرين بعضهم مع بعض ، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب ، فما بدىء به فى الأولى أتم فى الثانية - وهاك أمثله على ذلك :
(1) تفصيل الكلام فى قتال المشركين وأهل الكتاب.
(2) ذكر فى الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام ، وأنهم ليسوا بأوليائه ، وجاء فى الثانية « ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ » إلى آخر الآيات
(3) ذكرت العهود فى سورة الأنفال ، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها.
(4) ذكر فى سورة الأنفال الترغيب فى إنفاق المال فى سبيل اللّه ، وجاء ذلك بأبلغ وجه فى براءة.
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (1 / 850)