مناسبتها لما قبلها
آذن النبي ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ المشركين فى سورة « الكافرون » التي سبقت هذه السورة ـ آذانهم بكلمة الفصل بينه وبينهم « لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ »
.. ووراء هذه الكلمة الحاسمة القاطعة ، التي أخذ بها النبي طريقه إلى ربه ومعبوده ، واتخذ بها المشركون طريقهم إلى آلهتهم ومعبوداتهم ـ وراء هذه الكلمة تشخص الأبصار إلى مسيرة كلّ من النبي والمشركين الذين أخذوا طريقا غير طريقه ، لترى ماذا ينتهى إليه الطريق بكل منهما ..وتختفى عن الأبصار طريق أهل الشرك ، وتبتلعهم رمال العواصف الهابّة عليهم من صحراء ضلالهم ..أما الطريق الذي أخذه النبي صلوات اللّه وسلامه عليه ، فها هو ذا النصر العظيم يلقاه عليه ، وها هو ذا الفتح المبين ترفرف أعلامه بين يديه ، وها هو ذا دين اللّه الذي يدعو إليه ، قد فتحت أبوابه ، ودخل الناس فيه أفواجا .." (1)
مقدمة وتمهيد
1 - سورة « النصر » تسمى - أيضا - سورة : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، وتسمى سورة « التوديع » وهي من السور المدنية ، قيل : نزلت عند منصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من غزوة خيبر ، وقيل : نزلت بمنى في أيام التشريق ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، وقيل نزلت عند منصرفه - صلى الله عليه وسلم - من غزوة حنين.
وكان نزولها بعد سورة « الحشر » وقبل سورة « النور » ، وهي ثلاث آيات.
2 - وقد تضافرت الأخبار رواية وتأويلا ، على أن هذه السورة تومئ إلى قرب نهاية أجل النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار في هذا المعنى منها ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس قال : لما نزلت سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، دعا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وقال : « قد نعيت إلىّ نفسي » فبكت ثم ضحكت ، وقالت : أخبرنى أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ، ثم قال : « اصبري فإنك أول أهلى لحاقا بي » فضحكت.
وأخرج البخاري عن ابن عباس ، قال : كان عمر - رضى اللّه عنه - يدخلني مع أشياخ بدر ، فكأن بعضهم قد وجد في نفسه - أى : تغير وغضب - وقال : لما ذا يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله ، فقال عمر : إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم ... فقال : ما تقولون في قوله - تعالى - إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد اللّه ونستغفره ، إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فقال ... عمر : أكذلك تقول يا بن عباس؟ فقلت : لا ، فقال : ما تقول؟ فقلت : هو أجل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أعلمه له ... فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول.
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1698)