فأولا : كانت سورة « الفتح » ـ وهى مدنية أيضا ـ أول بشائر النصر ، الذي تعلو به راية الإسلام ، ويتم به دين اللّه ، ويرى به النبي والمهاجرون والأنصار ثمرة الجهاد فى سبيل اللّه ، وما احتمل النبي وأصحابه من بلاء عظيم ..ثم تلا هذه السورة ، سورة « الحجرات » ، التي كانت أشبه بتعليق وتعقيب على سورة الفتح ، وعلى ما وقع فيها من أحداث وخاصة فى صلح الحديبية ..فجاءت سورة « ق » تذكر النبي وأصحابه بما كان فى بدء الدعوة الإسلامية ، من عناد المشركين وضلالهم وسفههم ، وأن هؤلاء المشركين الضالين السفهاء قد تحولت بهم الأحوال ، وأوشكوا أن يدخلوا فى دين اللّه ، بعد أن كسرت شوكتهم ، وبدأت غشاوة الضلال والسفه تنجلى عن أبصارهم ، بما رأوا من إعزاز اللّه لدينه ، ونصره لأوليائه ..
وثانيا : جاء فى ختام سورة « الحجرات » ما كان من موقف الأعراب من دين اللّه ، وأنهم كانوا من الإسلام فى موقف أشد ضلالا ، وأكثر بعدا من موقف إخوانهم المشركين أهل مكة .. إذ أن المشركين كانوا يعلمون صدق النبي ، ويدركون حقيقة ما يدعو إليه من إيمان باللّه. أما هؤلاء الأعراب ، فإن جفاء طباعهم ، وغلظة أكبادهم ، حالت بينهم وبين أن يدركوا حقيقة هذا الدين ، ولم تتسع عقولهم لاستيعاب مراميه ، كما يقول سبحانه وتعالى فيهم : « الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ » (97 : التوبة) ـ فجاءت سورة « ق » تحدثهم عن إخوانهم المشركين ، وما كان لهم من تعلّات على دين اللّه .. ثم ها هم أولاء ، وقد دخل كثير منهم فى الإسلام ، ثم الإيمان ، هاهم أولاء قد أصبحوا فى جند اللّه المجاهدين فى سبيل اللّه .. وإذن فليكن لهؤلاء الأعراب أسوة فى إخوانهم هؤلاء ، الذين كانوا على الشرك والضلال ، ثم أصبحوا وقد لبسوا الإسلام دثارا ، والإيمان شعارا ..
وهكذا تبدو سورة « ق » وكأنها تعقيب على سورة « الفتح » واستعادة للماضى وأحداثه ، بين يدى هذا الحاضر المسعد ، والمستقبل المشرق ، فتعظم تلك النعمة التي يعيش المسلمون فيها مع هذا الفتح العظيم ، الذي لم يكن يراود أحلامهم ، فى يوم من الأيام .. (1)
مقدمة وتمهيد
1 - سورة « ق » هي السورة الخمسون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة « المرسلات ».
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (13 / 462)