تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه ثلاثة هي :
1 - تطابق مطلع السورتين في : حم ، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
2 - تشابه موضوع السورتين وهو إثبات التوحيد والنبوة والوحي والبعث والمعاد.
3 - ختمت السورة السابقة بتوبيخ المشركين على الشرك ، وبدئت هذه السورة بتوبيخهم على شركهم ، ومطالبتهم بالدليل عليه ، وبيان عظمة الإله الخالق المجيب من دعاه ، على عكس تلك الأصنام التي لا تستجيب لدعاتها إلى يوم القيامة.
ما اشتملت عليه السورة :
موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية وهو إثبات أصول العقيدة الإسلامية الثلاثة : وهي التوحيد ، والرسالة والوحي ، والبعث والجزاء.
بدأت السورة بالحديث عن تنزيل الكتاب وهو القرآن من اللَّه تعالى ، وإنما كرر لأنه بمنزلة عنوان الكتب (الكتابة) ثم أقامت الأدلة على وجود الإله والتوحيد والحشر ، وذمّت المشركين عبدة الأصنام ، وردّت عليهم ردا دامغا مقنعا ، وأجابت عن شبهاتهم حول الوحي والنبوة.
ثم ذكرت حال فريقين : فريق أهل الاستقامة الذين أقروا بتوحيد اللَّه واستقاموا على ملّته ، وأطاعوا والديهم وأحسنوا إليهم ، فكانوا أصحاب الجنة ، وفريق الكافرين الخارجين عن هدي الفطرة ، المنهمكين في شهوات الدنيا ، المنكرين البعث والحساب ، العاقين لوالديهم ، بالتنكر للإيمان والمعاد ، فكانوا أصحاب النار.
ثم ضربت المثل بقصة هود عليه السلام مع قومه «عاد» الطغاة الذين اغتروا بقوتهم ، وأصروا على عبادة الأصنام ، فأهلكهم اللَّه بريح عاتية ، تدمّر كل شيء بأمر ربها ، إرهابا لكفار قريش ، وتحذيرا من استبدادهم وتكذيبهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وإنذارا بعذاب مماثل جزاء استهزائهم.
كما ذكّرتهم بإهلاك القرى المجاورة ، وبمبادرة الجن إلى الإيمان بما سمعوه من آيات القرآن ، ودعوة قومهم إلى إجابة نبي اللَّه والإيمان برسالته ، فإن من عاند وأعرض عن إجابة داعي اللَّه ، فهو في ضلال مبين.
ثم ختمت السورة بالتأكيد على قدرة اللَّه على البعث ، لأنه خالق السموات والأرض ، وبأن تعذيب الكافرين بالنار حق كائن لا محالة ، وبالتهديد بأهوال القيامة ، وبأن العذاب أو الهلاك لا يكون إلا للقوم الفاسقين الخارجين عن حدود اللَّه وطاعته ، فما على الرسول إلا الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، وعدم استعجال العذاب. (1)
(1) - التفسير المنير ـ موافقا للمطبوع - (26 / 5)