تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مُخَالَطَتِهِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَوُقُوفِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الدِّينِ. فَكَانَ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ، لاَ لِلرَّغْبَةِ أَوِ الطَّمَعِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ (1).

وَيَنْعَقِدُ هَذَا الْعَقْدُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ بِاللَّفْظِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلاَ تُشْتَرَطُ كِتَابَتُهُ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ، وَمَعَ هَذَا فَكِتَابَةُ الْعَقْدِ أَمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ لأَِجْل الإِْثْبَاتِ، وَدَفْعًا لِمَضَرَّةِ الإِْنْكَارِ وَالْجُحُودِ (2).

مَنْ يَتَوَلَّى إِبْرَامَ الْعَقْدِ:

جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِ يَتَوَلَّى إِبْرَامَهُ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَلاَ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ الإِْمَامِ وَمَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُفْتَاتَ بِهِ عَلَى الإِْمَامِ (3).

وَأَجَازَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ لِكُل مُسْلِمٍ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ خَلَفٌ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ؛ وَلأَِنَّهُ مُقَابِل الْجِزْيَةِ، فَتَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ؛ وَلأَِنَّهُ مَفْرُوضٌ عِنْدَ طَلَبِهِمْ لَهُ، وَفِي انْعِقَادِهِ إِسْقَاطُ الْفَرْضِ عَنِ الإِْمَامِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَجُوزُ لِكُل مُسْلِمٍ (4).

مَنْ يَصِحُّ لَهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الذِّمَّةِ لأَِهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ لِلْمُرْتَدِّ. أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا:

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: لاَ يَجُوزُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِغَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:5] وَهَذَا عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ أَهْل

(1) - البدائع 7/ 111، وابن عابدين 3/ 275، وكشاف القناع 3/ 116، والخرشي 3/ 143، والحطاب 3/ 281، ومغني المحتاج 4/ 242.

(2) - مغني المحتاج 4/ 243، والمغني 8/ 534، وتاريخ الطبري 5/ 228، والأموال لأبي عبيد 87، والمهذب 2/ 254، والأحكام السلطانية للماوردي 145، والبدائع 7/ 110

(3) - الخرشي 3/ 143، والقليوبي 4/ 228، ومغني المحتاج 4/ 243، والمغني لابن قدامة 8/ 505، وكشاف القناع 3/ 116.

(4) - فتح القدير والعناية على الهداية 5/ 213، 214.

المفصل في فقه الجهاد ط 4 · الصفحة ١١٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الجهاد ط 4ص ١١٢٧