لم يكن الإسلام أبدا خانعا ولا سلبيا .
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) .
( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) .
والجهاد بالنفس والمال والأولاد .. والقتال والثبات وعدم النكوص على الأعقاب ، ومواجهة اليأس والمصابة والمرابطة في صلب ديننا .
فكيف يمكن لدين بهذه المرونة والعقلانية والعلمية والإيجابية والثورة أن يتهم بالتحجر والجمود إلى من صديق عزيز مثل الدكتور القادم من فرنسا لا يعرف من أوليات دينه شيئا ولم يقرأ في قرآنه حرفا .
المصدر : كتاب\حوار مع صديقي الملحد .... للكاتب مصطفى محمود
================
الدين أفيون الشعوب
تلك قولة كارل ماركس …
ودعاة الشيوعية في الشرق الإسلامي يرددونها وراءه . ويريدون تطبيقها كذلك على الإسلام .
وكارل ماركس أو غيره من الدعاة الأولين للشيوعية ربما كانوا معذورين في ثورتهم على الدين ورجاله . بسبب الملابسات الخاصة التي واجهتهم هناك . فقد كان الإقطاع يمثل أبشع أدواره في أوربا ، وفي روسيا بوجه خاص ، حيث يموت الألوف جوعاً كل عام ، ويموت الملايين بالسل وغيره من الأمراض ، والصقيع يقضي على عدد مماثل .. كل ذلك والإقطاعيون يلغون في دماء أولئك الكادحين ، ويعيشون في ترف فاجر يستمتعون فيه بكل ما يخطر على القلب من ألوان المتاع . فإذا خطر للكادحين أن يرفعوا رؤوسهم ، بل إذا خطر لهم أن يحسوا مجرد إحساس بالظلم الذين يعيشون فيه ، أسرع رجال الدين يقولون لهم : " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ، ومن أخذ رداءك فاترك له الثوب أيضاً " وذهبوا يخدرونهم عن ثورتهم أو عن إحساسهم بالألم ، بما يمنونهم به من نعيم الآخرة الذي أُعد للصابرين على الظلم ، والراضين بالشقاء .
فإذا لم تفلح الأماني البعيدة فليفلح التهديد . فمن عصي سيده الإقطاعي فهو عاص لله وللكنيسة ولرجال الدين . ولنذكر أن الكنيسة ذاتها كانت من ذوات الإقطاع ، وكان لها ملايين من رقيق الأرض تستعبدهم لحسابها الخاص ، فكان طبيعياً أن تقف في صف القيصر والأشراف ضد الشعب المكافح . لأن الملاك جميعاً معسكر واحد ضد المكافحين ، ولأن الثورة - يوم تقوم - لن تعفي أحداً من مصاصي الدماء سواء كانوا من الأشراف أو من رجال الدين .
فإذا لم تفلح الأماني والتهديد معاً فلتوقع العقوبات فعلاً على الثائرين ، ولتوقع باسم تأديب الخارجين على الدين والملحدين بآيات الله .
ومن هنا كان الدين عدواً حقيقياً للشعب هناك . وكانت قولة في محلها تلك التي قالها كارل ماركس : " الدين أفيون الشعب " ..هناك !
ولكن الشيوعيين في الشرق الإسلامي يشيرون إلى مسلك " رجال الدين المحترفين " في استرضاء ذوي السلطان على حساب الكادحين من الشعب ، وتمنية هؤلاء بالجنة التي أعدت للصابرين ، ليرضوا عما هم فيه من هوان وظلم ، ويستمتع المجرمون وهم آمنون . ويستشهدون مثلاً بما كان من بعض رجال الأزهر في عهد فاروق ، كانوا يقبّلون يده ويلقبونه بالملك الصالح ، ويدعون له ، ويؤولون آيات القرآن على مزاجهم ، ويزيفون معالم الإسلام ليستخرجوا من هذه وتلك ما يثبّت سلطانه ، ويمنع الشعب المكافح من الثورة عليه ، وإلا اعتبروا خارجين على أوامر الله التي توجب الطاعة " لأولي الأمر منكم " !
ثم يخلط الشيوعيون بهذه الحقيقة شبهةً مؤداها أن الإسلام ذاته يأمر بهذا الفحش إذ يقول : " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ( ) " أو يقول : " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه . ورزق ربك خير وأبقى ( ) " فالإسلام إذن ككل دين ، أفيون يخدر المكافحين . وهنا الشبهة التي نريد أن نتناولها بالحديث .
نريد أن نبحث هل هذا السلوك الشائن من رجال الدين المحترفين قد أوحى به الدين ذاته ، أم هو فسوق منهم عن أمر الدين الصحيح ، ومثلهم فيه كمثل كل فاسق من الشعراء و الكتاب والصحفيين الذين عفروا جباههم بالتراب ، ومرغوا كرامتهم في الدنس ، ليستمتعوا بشيء من المتاع الزائل فضلاً عن أنه متاع حرام .
وأنا مقتنع أشد الاقتناع بأن جريمة رجال الدين هؤلاء أكبر وأفحش من جريمة الفساق من الشعراء والكتاب والصحفيين المرتزقين ، لأن في أيديهم كتاب الله، وهم يتلون آياته ، ويعرفون حقيقة الدين ، وحقيقة موقفهم وهم يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً وما يأكلون في بطونهم إلا النار ، ولكني أعود فأكرر أنه ليس في الإسلام رجال دين . وأن كل ما يقولونه ليس حجة على الإسلام . وأن مصيبة هذا الشعب جاءته من الجهل بحقيقة دينه - وليس الجهل من أوامر الإسلام للناس ! - وأنه يكفي لدحض تهمة التخدير عن الدين الإسلامي أن الحركة التي ثارت ضد الطاغية هي في حقيقتها الحركة الدينية ، التي أحس الملك السابق خطرها على وجوده فقتل داعيتها وفتح المعتقلات لكتم أنفاسها قبل أن تقضي عليه . ولكن الله أراد غير ما كان يريد .