والدعوة إلى الهجرة كانت لمناسبة خاصة وليست هي السبيل الوحيد لمواجهة الظلم . فللجماعات سبل أُخرى سيأتي بيانها . إنما نريد هنا أن نؤكد استفظاع الإسلام للرضى بالظلم ، إلى حد أن تكون عقوبته هي جهنم ، ولا ينجو منها إلا المستضعفون حقيقة ، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً . وذلك لكي لا يقعد عن الجهاد أحد يملك ذرة من القدرة على الجهاد .
أما المستضعفون حقيقة فليسوا متروكين لأمرهم ، يحتملون الظلم بلا نصير . فالأُمة الإسلامية كلها مدعوة للجهد في سبيلهم ودفع العدوان عنهم : " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ( ) " .
فالظلم لا يقع على طائفة من الناس أو على كثرتهم ثم يسكتون عنه فيرضى الله عنهم ولن يرضى الله عنهم حتى يكافحوا الظلم ويردوه عن المظلومين .
وربما ظن البعض أن هذه الآيات خاصة بالعقيدة فحسب ، أي بوجود مسلمين في وسط مشركين يجبرونهم على الشرك بالله وعدم القيام بشعائر العبادة الإسلامية .
ولكن الإسلام لا يفرق بين شعائر العبادة وبين تنفيذ النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتفرعة عن هذه العقيدة . ولا يفرق بين أن يكون الذين يمنعون تنفيذها كفاراً بالاسم والفعل . أو مسلمين بالاسم وكفاراً في واقع الأمر : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " ( ) .
والإسلام يأمر بألا يكون المال " دولة بين الأغنياء " ويأمر بأن تكفل الدولة رعاياها بكل الطرق الممكنة : إما بإيجاد العمل الكريم لهم ، وإما بالإنفاق المباشر عليهم من بيت المال في حالة العجز عن العمل . ويأمر نبي الإسلام بضمانات معينة – ذكرناها من قبل – بالنسبة لموظفي الدولة ، وهي تنطبق بالقياس على كل من يؤدي عملاً في مؤسسة خاصة أو عامة .. وكل ذلك جزء من هذا الدين لا يتم إيمان الناس حتى يقرّوا به ويسعوا إلى تنفيذه . وعليه تنطبق الآيات السالفة الذكر التي تذكر الظلم وحكم " ظالمي أنفسهم " الذين يقبلون هذا ولا يكافحونه .
ونفرض أن الناس قد قعدوا عن مكافحة الظلم الاجتماعي إطاعة للمعنى المتوهم من الآيات التي تقول : " ولا تَتَمَنَّوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " أو " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم " فما الذي يحدث عند ذاك ؟
يحدث أن تتكدس الأموال في يد فئة خاصة من الناس يتداولونها فيما بينهم ويحرمون منها المجموع " كما يحدث في الإقطاع والرأسمالية " وذلك منكر لأنه مخالف لأمر الله : " كيلا يكون دولة بين الأغنياء " .
ويحدث أن يحبس الأغنياء هذه الأموال ، أو ينفقوها على أنفسهم في صورة ترف وملذات . فإن كان الأولى فهي منكر : " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " ( ) ولا عذاب إلا على منكر لا يرضي الله . وإن كانت الثانية فهي منكر كذلك والآيات التي تحرم الترف كثيرة جداً في القرآن ، كلها تصم المترفين بالكفر والفسوق : " وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنَّا بما أرسلتم به كافرون ( ) " … " وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مُتْرَفِيهَا ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميراً ( ) " .. " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال : في سموم وحميم ، وظل من يحموم ، لا بارد ولا كريم ، إنهم كانوا قبل ذلك مترفين " ( ).
لا يمكن إذن أن ينتج من قعود الناس عن مكافحة الظلم الاجتماعي إلا منكر . فكيف يتهم الإسلام بأنه يدعو الناس إلى الرضا بالمنكر والسكوت عليه ابتغاء مرضاة الله ! والله يقول : " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون " ( ) فيجعل السكوت على المنكر وعدم التناهي عنه علامة من علامات الكفر بالله تستوجب غضبه ولعنته وعقابه ؟ ! والرسول يقول : " من رأى منكم منكراً فليغيره " . ويقول : " أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند إمام جائر " . ولن تحدث هذه المنكرات في المجتمع ويرضى عنها الحاكم أو يتسبب فيها إلا كان إماماً جائرً تجب مقاومته جهاداً في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله ؟ !
أي عقل ذلك الذي يجيز فهم الإسلام على أنه يأمر بالرضى عن الظلم والسكوت على الحرمان ، إلا عقل منحرف لا يستطيع أن يفهم ولا يستطيع التخلص من الهوى والشهوات ؟
إنما تنصرف الآيات التي أوردناها في أول الفصل إلى النهي عن التمني الفارغ الذي لا يصحبه عمل منتج ؛ وإلى الرضى بما لا يستطيع أحد في الأرض أن يغيره : لا الدولة ولا المجتمع ولا أحد من الناس .
فلنفرض أن إنساناً وهب موهبة حازت له الشهرة وإعجاب الناس ، وآخر يتحرق شوقاً إلى مثل هذه الشهرة وهو لا يملك مثل موهبته . فما الذي تصنعه الدولة يا ترى لإرضاء هذا الشوق ، ومنعه أن يتحول إلا حقد مريض ؟ هل "تصنع" الدولة له موهبة في أحد مصانعها !؟