فمثلاً لو تقدم رجل يطلب الزواج بأخرى ، لأن زوجته لا تعفه ، أو لأنها ذات عيب جنسي ، أو لأنه يكرهها بطبعه ، فكيف يثبت ذلك للقاضي ، ثم إن في إثبات بعض المبررات التي يمكن إثباتها كشفاً لعورات النساء ، وفضحاً لأسرار الأسر ، وتعرضاً لحرماتهم بدون ضرورة شرعية ، ولو فرض وثبت ذلك العيب فإنه سيكون سبة للزوجة ولأهلها وربما للزوج نفسه.
إن هذه الأمور من الأسرار العائلية التي لا يكسب المجتمع والأفراد إلا الشر من إثارتها ، ولعله أكرم للمرأة الجديدة أن يتزوج الرجل وأن يطلق في هذه الأحوال بعيداً عن المحاكم وفي صمت.
تقييد التعدد قضاء بالعدل بين الزوجات والرد عليهم:
أما عن تقييد التعدد قضاء بالعدل بين الزوجات ، بحيث لا يجوز التعدد إلا بإذن القاضي ، ولا يأذن القاضي إلا إذا تأكد من عدالة راغب التعدد مستقبلاً بين زوجاته كما يرون ، فقد احتجوا له بأن القرآن ورد به تقييد تعدد الزوجات باستطاعة العدل ، فوجب التحقق من ذلك قضاء عند إرادة التعدد.
ويرد عليهم: بأن القرآن فعلاً اشترط العدل بين الزوجات ولكنه أوجب ذلك تديناً بين العبد وربه ، ولم يوجبه قضاءً إلا إذا وقع ظلم بين الزوجات بالفعل من ظلم الزوج لزوجاته ، وقوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ، إنما هو خطاب موجه للأفراد في شأن لا يعرف إلا من جهتهم ، يرجعون فيه إلى نياتهم وعزائمهم وليس له من الأمارات الصادقة المطردة أو الغالبة مما يجعل معرفته وتقديره داخلين تحت سلطان الحاكم حتى يترتب على تلك الأمارات تشريع ، يمنع تعدد الزوجات أو إباحته أو تقييده.
استدلالهم بآية والرد عليهم:
وأما عن اشتراط التعدد بالمقدرة قضاء ، بحيث لا يأذن له القاضي بالزواج من أخرى إلا إذا ثبت لديه أنه يستطيع الإنفاق على زوجته أو زوجاته ، وعلى أولاده منهن ، ومن تجب عليه إعالتهم من أقاربه ، فقد احتج له القائلون به: بأن القرآن يفيد ذلك ، حيث يستفاد ضمناً من قوله تعالى: (ذلك أدنى ألا تعولوا) على تفسير (تعولوا) بتكثير عيالكم ، كما ذهب إليه الإمام الشافعي.
قالوا: ولما ورد القرآن بتقييد تعدد الزوجات باستطاعة الإنفاق وجب التحقق من ذلك ديناً وقضاءً عند إرادة التعدد.
ويجاب: بأن معنى قوله تعالى: (تعولوا) أي: تميلوا وتجوروا ، من الجور ومن الميل عن الحق ، وهو ما فسره به أكثر المفسرين ، وذهب إليه الجمهور ، أما تفسير (تعولوا) بتكثير عيالكم ففيه نظر فإنه كما يخشى كثرة العيال من تعدد الحرائر كذلك يخشى من تعدد السراري أيضاً.
ويشهد لما ذهب إليه الجمهور أن العدل مطلوب وواجب بين الحرائر ، أما الإماء فلا يجب العدل بينهن في القسم وغيره ، وإن فعل فحسن.
قال الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) وفيه دليل على أنه لا حق للمملوك في القسم ، كما يدل على ذلك جعله قسيماً للواحدة في الأمن من عدم العدل.
وحتى على تفسير (تعولوا) بمعنى تكثر عيالكم على تسليمنا بذلك ، فإنه يطلب التثبت من المقدرة على الإنفاق قضاء.
ثم إنه لم يثبت عن رسول الله ولا عن أحد من صحابته أو من سلف الأمة اشتراط المقدرة على الإنفاق قضاء.
أما المقدرة على الإنفاق فيما بينه وبين ربه فهي مطلوبة حتى في حالة زواجه من زوجة واحدة ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ، والباءة مؤنة النكاح على أحد معنييها ، أو هي الجماع على معناها اللغوي وهو المعنى الثاني ويكون تقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنته وهي مؤنة النكاح فليتزوج.
كلمة أخيرة:
هذا هو رأي جمهور علماء المسلمين فما زعم أولئك المبتدعون أنها أدلة تكلفاً وتمحكاً لبدع ابتدعوها وأفهام خاطئة أو مغرضة فهموها لمدلولات النصوص ، فأوجدوا شروطاً وسنّوا قيوداً لم يشترطها ولم يسنها الشارع على الناس ، ولم يقيدهم بها ، وإنما هو الإيغال في الجرأة على كلام الله ، ومحاولة تحريفه ، حتى يتفق مع رأي رأوه وفكرة اختمرت في عقولهم يريدون تكليف الناس بها ظلماً وزوراً (وما جعل عليكم في الدين من حرج).
==================
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ }
نص الشبهه :-
يقال أن ما جاء فى سورة البقرة 2: 230 ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾.
وفسرها البيضاوي بقوله: قالت امرأة رفاعة لرسول الله: إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإن ما معه مثل هدبة الثوب. فقال رسول الله: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم. قال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك .