وقد قص الله - تعالى - خبره مع أبيه ، وقومه في عدد من سور القرآن ، وفي سورة إبراهيم ، في إنكاره عليهم عبادة الأوثان ، وحقّرها عندهم ، وتنقصها ، وتكسيره لها ، ومناظرته - عليه السلام - لملك بابل النمرود بن كنعان ، ومحاجته له ، حتى اهلك الله النمرود ببعوضة فهاجر إبراهيم - عليه السلام - إلى أرض الشام ، ثم إلى الديار المصرية ، وتزوج بهاجر ، وكان الولدان المباركان والنبيان الكريمان : إسماعيل من هاجر القبطية المصرية ، وإسحاق من سارة ابنة عمه .
ولما وقع بين سارة وهاجر من غيرة النساء ما وقع ، هاجر إبراهيم بهاجر ، وابنها إسماعيل إلى مكة - حرسها الله تعالى - فكان ما كان من أمرهم في البلد الحرام من نبوع زمزم ، وبناء البيت الحرام وغيرها من الأمور العظام .
وكان لوط بن هارون بن تارخ قد بعثه الله نبياً ، فاتفقت بعثته مع بعثة عمه الخليل إبراهيم - عليه السلام - بن تارخ - آزر - في زمن واحد وكان من خبره مع قومه في أرض سدوم بالشام قرب الأردن ما قصه الله في كتابه من دعوته لهم إلى عبادة الله ، وترك عبادة الأوثان ، وما ابتدعوه من فعل الفاحشة ، فأهلكهم الله ، وأنجاه هو وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين .
ثم بعث الله نبيه شعيباً خطيب الأنبياء - عليه السلام - إلى مدين أصحاب الأيكة - وهي شجرة كانوا يعبدونها - وهو قوم من العرب ، يسكون مدين في أطراف الشام ، وهو :
نبي الله : شعيب بن مكيل بن بشجن بن مدين بن إبراهيم ، وقيل غير ذلك في نسبه .
وهكذا تتابع الأنبياء من ذرية إبراهيم - عليه السلام - في ذرية ابنيه النبيين الكريمين : الذبيح إسماعيل أبو العرب ، ثم إسحاق - عليها السلام - .
* وكان إسماعيل - عليه السلام - قد بعثه الله في جُرهُم والعماليق ، واليمن ، وغيرهم من أهل تلك الناحية في الحجاز واليمن من جزيرة العرب . وكان من ذريته خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم .
* وكان إسحاق عليه السلام - قد بعثه الله نبياً في الشام وحران وما والاها . وكان من ذريته العيص ، ومن سلالته : نبي الله أيوب - عليه السلام - بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - .
ومن سلالة إسحاق : ذو الكفل ، قال ابن كثير : وزعم قوم أنه ابن أيوب . ثم استظهر ابن كثير أنه نبي .
وأيوب ، وذو الكفل أرسلا إلى أهل دمشق في الشام .
وكان من ذريته نبي الله يعقوب - وهو إسرائيل - ، وإليه تنسب بنو إسرائيل وتتابعت من بني إسرائيل : يوسف ، وموسى ، وهارون ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وداود ، وسليمان ، ويحيى ، وزكريا ، وعيسى - عليهم السلام - .
أول وقوع الشرك من النوعين في العرب وغيرهم وبعثة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم
هكذا تتابع أنبياء بني إسرائيل ، وكان آخرهم المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام - وعلى حين فترة من الأنبياء والرسل ، وكان الشرك من الصنفين : عبادة القبور والكواكب قد انتشر في الأرض ، وكانت العرب على إرث من ملة أبيهم إبراهيم في جزيرة العرب ، ولكن كان عمرو بن لحي الخزاعي في رحلته المشؤومة إلى الشام رآهم بالبلقاء لهم أصنام يستجلبون بها المنافع ويستدفعون بها المضار ، فجلب مثل ذلك إلى مكة في وقت كانت ولاية البيت لخزاعة قبل قريش وكان هو سيد خزاعة ، فكان برحلته المشؤومة هذه ، هو أول من غير دين إسماعيل ، وانحراف عن ملة إبراهيم ، فَنَصَبَ الأوثان في البيت الحرام ، وسيب السائبة ، وبحر البحيرة ، ووصل والوصيلة ، وحمى الحامي .
من هنا اتخذت العرب الأصنام ، وكان أقدمها : " مناة " وكان على ساحل البحر بقديد بين مكة والمدينة ، ثم " اللات " بالطائف وهي صخرة مربعة يُلت عندها السويق ، ثم " العزى " وهي بوادي نخلة بعد : " الشرائع " للخارج من مكة شرقاً .
ثم تعددت الأصنام في جزيرة العرب ، وكان لكل قبيلة صنم من شجر أو حجر ، أو تمر ، وهكذا ، حتى كان منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً ، بل اتخذ أهل كل دار صنماً لهم في دارهم .
ولا تسأل عن انتشار الأصنام ، وعبادة النار والكواكب في فارس ، والمجوس ، والصابئة ، وأمم سواهم منهم من يعبد الماء ، ومنهم من يعبد الحيوان ، ومنهم من يعبد الملائكة .
ومنهم من قال : الصانع اثنان ، هم الوثنية من المجوس ، وهم شر من مشركي العرب ، وعظموا النور ، والنار ، والماء ، والتراب ، وهكذا في أمم سواهم من : الصابئة ، والدهرية والفلاسفة ، والملاحدة ، فصل ابن القيم - رحمه الله تعالى - فيهم وفي مذهبهم ، ومعبوداتهم : القول في : " إغاثة اللهفان : 2 / 203 - 320 " .
بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم :