وأمرهم بالنظر إلى علم التاريخ فقال تعالى(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)[آل عمران:137] وقال (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [العنكبوت:20]، وفي علم الطبيعة والجغرافيا قال (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الرعد:3]،
وأثنى الله تعالى على المفكرين والمتأملين لهذا الكون فقال (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار)[آل عمران:191]، وأمر بالتفكر فقال (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)[الروم:8]، وقال :(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ)[سبأ:46].
فالزعم أن القرآن يعوق النظر العقلي الحر هو غاية في المناقضة لصريح القرآن.
2/الذي يعوق أتباعه عن النظر العقلي الحر هو من كان يظن أن في كتابه شيئا من الخطأ يتعارض مع العقل ، أما والحال أن القرآن ليس فيه شيء من الخطأ أو الخلل فإنه أمر بل تحدى أن يجد الناس في القرآن شيئا يخالف ما عليه النظر العقلي الحر( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ، وقد ألف الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كتاب (درء تعارض العقل والنقل) قرر فيه أنه لا يمكن أن يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح وأن الشرع لا يأتي بشيء تحيله العقول ،ثم فند فيه كل زعم المعارضة بينهما.
-قول طه حسين (الباحث الناقد والمفكر الجريء لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كتاب أدبي آخر) ومثله قول نصر أبو زيد (منذ نزل القرآن في كلمات عربية أصبح بشريا يجوز الطعن فيه وعليه ، وتجوز مناقشته ويجوز فيه ما يجوز على الكلام البشري من خطأ وصواب):
فهذا الكلام في غاية من الخطورة مخالف لما عليه إجماع المسلمين ، وكيف لا يفرق الناقد بين كتاب الله المنزه سبحانه عن كل خطأ ونقص وكتاب إنسان المجبول على الخطأ والنقص، وما الطعن في كتاب الله إلا طعنا في الله سبحانه إذ القرآن من كلام الله الذي هو صفة من صفاته ، فهل يجوز الطعن في الله ؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، لقد اتفقت الملل والأديان والشعوب والمذاهب أن الإله المستحق للعبادة هو الذي بلغ الكمال المطلق في كل شيء ، فإن كان الإله كاملا فما يقوله كامل أيضا، وما هذه الدعوى إلا تمهيدا لتجريئ الناس على كتاب الله ؛ فإذا كان يمكن نقده إذن يمكن مخالفته وعدم اتباعه ، بل هذا ما صرح به طه حسين نفسه عندما قال-كما تقدم- : (إن الدين الإسلامي يجب أن يعلم فقط كجزء من التاريخ القومي لا كدين إلهي منزل بين الشرائع للبشر ، فالقوانين الدينية لم تعد تصلح في الحضارة الحديثة كأساس للأخلاق والأحكام ، ولذلك لا يجوز أن يبقى الإسلام في صميم الحياة السياسية أو أن يتخذ كمنطلق لتجديد الأمة فالأمة تتجد بمعزل عن الدين) وكذا صرح بهذا نصر أبو زيد عندما قال (آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر ، لا من سلطة النصوص وحدها ، بل من كل تعوق مسيرة الإنسان في عالمنا ، علينا أن نقوم بهذا الآن وفورا قبل أن يجرفنا الطوفان).
ونحن نسأل هؤلاء الذين يرون وجوب التحرر من سلطة النصوص ويرون أن القوانين الدينية لم تعد تصلح كأساس للأخلاق والأحكام ، ما هو الذي يصلح إذن كأساس للأخلاق والأحكام؟ هل هي شريعة الغاب في أفريقيا ، أم شريعة الإباحية في أوروبا التي تبيح للرجل فعل الفاحشة حتى أرحام وعائلته وتبيح زواج المثلين والشذوذ الجنسي مع الحيوانات ، فما هي القوانين الوضعية التي تصلح الآن كأساس للأخلاق والأحكام؟.
وقد علم الله تعالى أن كثيراً من الناس سوف يعارض حكم الله بعقله القاصر ،فأمر بالصبر على حكمه وعدم التنازل لأي بشر في هذه القضية:
قال تعالى:( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ... ( [الإنسان:24] وهذه الآية ذُكِرَتْ كثيرا في كتاب الله.