ولهذا قص الله علينا أخبار الأمم المكذبة للرسل ، وما صارت إليه عاقبتهم ، وأبقى آثارهم وديارهم عبرة لمن بعدهم وموعظة ، وكذلك مسخ من مسخ قردة وخنازير لمخالفتهم لأنبيائهم ، وكذلك من خسف به وأرسل عليه الحجارة من السماء ، وأغرقه في اليم ،وأرسل عليه الصيحة وأخذه بأنواع العقوبات ،وإنما ذلك بسبب مخالفتهم للرسل وإعراضهم عما جاءوا به واتخاذهم أولياء من دونه ،وهذه سنته سبحانه فيمن خالف رسله وأعرض عما جاءوا به ، واتبع غير سبيلهم ، ولهذا أبقى الله سبحانه آثار المكذبين لنعتبر بها ونتعظ ؛ لئلا نفعل كما فعلوا فيصيبنا ما أصابهم ، كما قال تعالى :( إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون(وقال تعالى:( ثم دمرنا الآخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون( أي تمرون عليهم نهارا بالصباح وبالليل ، وهذا كثير في الكتاب العزيز يخبر الله سبحانه عن إهلاك المخالفين للرسل، ونجاة اتباع المرسلين ؛ ولهذا يذكر سبحانه فى سورة الشعراء قصة موسى وإبراهيم ونوح وعاد وثمود ولوط وشعيب ، ويذكر لكل نبي إهلاكه لمكذبيهم والنجاة لهم ولأتباعهم، ثم يختم القصة بقوله ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم( فختم القصة باسمين من أسمائه تقتضيها تلك الصفة وهو العزيز الرحيم ، فانتقم من أعدائه بعزته، وأنجى رسله واتباعهم برحمته.
والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده ، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة ؛ فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع ، فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه ، وحركة يدفع بها ما يضره ، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره ، والشرع نور الله في أرضه ، وعدله بين عباده وحصنه الذي من دخله كان آمنا ، وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس ، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم ، فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب ، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده ،كنفع الإيمان ،والتوحيد ،والعدل ، والبر ،والتصدق ،والإحسان ،والأمانة ،والعفة ،والشجاعة ،والحلم ،والصبر ،والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ،وصلة الأرحام ،وبر الوالدين ،والإحسان إلى المماليك ،والجار ،وأداء الحقوق ،وإخلاص العمل لله ،والتوكل عليه ،والاستعانة به ،والرضا بمواقع القدر به ،والتسليم لحكمه ،والانقياد لأمره ،وموالاة أوليائه ،ومعاداة أعدائه ، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه ، واحتساب الثواب ، عنده وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به ، وطاعته في كل ما أمروا به مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته وفى ضد ذلك شقاوته ومضرته فى دنياه وآخرته ، ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد ،فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم ، أن أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ،وبين لهم الصراط المستقيم ، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم ، بل أشر حالا منها ،فمَنْ قَبِلَ رسالة الله واستقام عليها ، فهو من خير البرية ، ومَنْ رَدَّها وخرج عنها فهو من شر البرية ، وأسوأ حالا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم ،وفى الصحيح من حديث أبى موسى رضى الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال:« مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى والعِلْمِ ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكانَتْ مِنهَا طَائِفَة قَبِلَتْ الماءَ فأنْبَتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكثيرَ ، وكان منها أجادِبِ أَمْسَكَتِ الماءَ فنَفَعَ اللهُ بها النَّاسَ ، فشربوا منها وانتفعوا وزرعوا ،وأصابَ طائفةً منها أخرى إنما هي قيِعَانُ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلأ، فذلك مثل من فَقِهَ في دِينِ اللهِ تعالى ونَفَعَه ما بعثني اللهُ به ، فعَلِمَ وعَلَّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يَقْبَل هُدَى الله الذي أُرْسِلْتُ به » متفق على صحته