تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17- وأما زعمهم أن من مصادر القرآن شعر أمية بن أبي الصلت ؛ (فإن الغريب في الأمر أن المستشرقين يشكون في صحة السيرة النبوية نفسها، ويتجاوز بعضهم الشك إلى الجحود ، فلا يرونها مصدرا تاريخيا صحيحا ، فهم يقفون هذا الموقف العلمي من السيرة ويغلون في هذا الموقف ، ولكنهم يقفون من أمية وشعره موقف المتيقن المطمئن ، مع أن أخبار أمية ليست أدنى إلى الصدق ولا أبلغ في الصحة من السيرة، فما سر هذا الاطمئنان الغريب إلى نحو هذه الأخبار دون الأخرى)(580).

الأمر الآخر كذبهم في هذه الدعوى ؛ فشعر أمية بن أبي الصلت ، وشعر امرؤ القيس محفوظ معروف فلا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لإثبات بطلان دعواهم ؛ يقول العقاد : (وأيسر ما يبدو من جهل هؤلاء المخاطبين في أمر اللغة العربية قبل الإسلام ، وعلاقتها بلغة القرآن الكريم ، أنهم يحسبون أن العلماء المسلمين يجدون في بحث تلك الأبيات وصبا واصبا لينكروا نسبتها إلى الجاهلية ، ولا يلهمهم الذوق الأدبي أن نظرة واحدة كافية لليقين بإدحاض نسبتها إلى امرئ القيس أو غيره من شعراء الجاهلية)(581).

ولقد بحثت في ديوان امرئ القيس فلم أجد هذه الأبيات .

وأما أمية بن أبي الصلت ، فإن بعض العلماء نسبوا هذه الأبيات له ، ولكن أمية أدرك الإسلام ورأى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وسمع القرآن من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في مكة ، وانصرف عنه فتبعته قريش تسأله عن رأيه فيه ، فقال : أشهد أنه حق ، قالوا: هل تتبعه ؟ قال: حتى أنظر في أمره . وخرج إلى الشام وهاجر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إلى المدينة ، وحدثت وقعة بدر وعاد أمية من الشام يريد الإسلام ، فعلم بمقتل أهل بدر وفيهم ابنا خال له ، فامتنع وأقام في الطائف حتى مات(582)، فهو الذي تأثر بالقرآن ولم يتأثر القرآن به ، وشهد على صحة القرآن ، هذا وقد ذكر في ترجمته أنه كان مطلعا على الكتب القديمة ، ويلبس المسوح تعبدا ، وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ، ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية(583)؛ فهو إنما أخذ معنى هذا الشعر من الكتب السماوية السابقة التي كان يطلع عليها.

ولو سلمنا جدلا بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ هذا الموضع من أمية ، فما هو المانع أن يجري الله الحق على ألسنة بعض الناس ،وينزل القرآن موافقا لما قالوا، كما حصل هذا مع عمر كثيرا.

فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ قُلْتُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ، فَنَزَلَتْ ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ( وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ( فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ لَهُنَّ :( عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ( فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ )(584).

وقد قررنا أن القرآن جاء ليقر الحق ويصحح الخطأ.

ثم نقول لهم : إن العرب -الذين بعث فيهم النبي ( صلى الله عليه وسلم )-كانوا أعرف الناس بالشعر ، وأحرص الناس على الطعن في القرآن ؛ ومع هذا لم يورد أحد منهم هذا الطعن الساذج.

0000000000

(537) انظر المستشرقون والدراسات القرآنية ، للدكتور محمد حسين الصغير ، (ص:118-120)، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر ،ط2،1986.

(538) دائرة المعارف الإسلامية الاستشراقية (ص:16).

(539) دائرة المعارف الإسلامية الإستشراقية ص : 27.

(540) مستشرق مجري يهودي مشهور (1850-1921) اعتنى بالعلوم الدينية الإسلامية عناية خاصة وألف في هذا المجال عدة كتب منها:الظاهرية مذهبهم وتاريخهم ، دراسات إسلامية ، محاضرات في الإسلام ، اتجاهات تفسير القرآن عن المسلمين ، أقام في القاهرة فترة ، وفي أثناء هذه الفترة استطاع أن يختلف إلى بعض الدروس في الأزهر ، وكان ذلك بالنسبة إلى أمثاله امتيازا كبيرا ورعاية عظيمة ، اغتر به الكثير لسعة اطلاعه وإنصافه في بعض الأحيان ، ولكنه كان يدس السم في العسل ، فلا تجد طعنا من الطعون إلا وله فيه نصيب.انظر : ( موسوعة المستشرقين للدكتور عبدالرحمن بدوي ، ص : 197-203) بتصرف وزيادة.

(541) العقيدة والشريعة في الإسلام لجولدتسيهر ص:12، عن كتاب القرآن الكريم في مواجهة الماديين الملحدين ، للدكتور أحمد الشاعر(ص:93)دار القلم ، الكويت،ط2،1982، وانظر القرآن والمستشرقون ، لنقرة(ص:31).

(542) رد افتراءات المبشرين على آيات القرآن الكريم ،للدكتور محمد جمعة عبدالله (ص:263) ، جامعة أم القرى، ط1،1985.

(543) في حرف الميم عند ذكر اسم (محمد) وقد حذفت هذه الصورة من الطبعات الجديدة للكتاب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢٢٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢٢٩٦