9-كيف يمكن اعتبار التوراة والإنجيل من أهم مصادر القرآن مع أن القرآن, خالفها في كثير من الأشياء ؛ ففي بعض الأحداث التاريخية نجد القرآن يذكرها بدقة متناهية ,ويتمسك بها بإصرار ، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يتجاهل بعضها ،على الأقل تفاديا للاصطدام بالتوراة والإنجيل) )563) .
(ففي قصة موسى يشير القرآن إلى أن التي كفلت موسى هي امرأة فرعون ، مع أن سفر الخروج يؤكد أنها كانت ابنته ، كما أن القرآن يذكر غرق فرعون بشكل دقيق , لا يتجاهل حتى مسألة نجاة بدن فرعون من الغرق مع موته وهلاكه، في الوقت الذي نجد التوراة تشير إلى غرق فرعون بشكل مبهم، ويتكرر نفس الموقف في قضية العجل ؛حيث تذكر التوراة أن الذي صنعه هو هارون، وفي قصة ولادة مريم للمسيح- عليهما السلام- وغيرها من القضايا)(564).
10-من المعلوم أن في القرآن ما لا وجود له في كتب اليهود والنصارى ، مثل: قصة هود وصالح وشعيب ، فكيف أتى بها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ؟(565).
11-وإذا كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ من النصارى الذين خالطهم؛ من أمثال سلمان , وصهيب وورقة، فلِمَ لم يفضحوه عندما سب النصارى وكفرهم في كتابه في عدة آيات ، حتى إن سورة المائدة ، وهي من آخر السور نزولا , كانت من أكثر السور تكفيرا للنصارى (566) ؟ ذكر الآيات التي تكفر النصارى من سورة المائدة .
12-من تناقضهم زعمهم أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ القرآن من سلمان وصهيب النصرانيين وابن سلام اليهودي وغيرهم ممن أسلم من أهل الكتاب(567) ، وحقيقة الأمر أن إسلام هؤلاء حجة عليهم ، إذ لو كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ القرآن والشريعة من أهل الكتاب ، فلماذا يتركون الأصل ويذهبون إلى الفرع؟
13-إذا كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذ دينه من اليهود والنصارى (والقرآن نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها ، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله)،كما يقول الخورى الحداد , فلماذا إذن هذه الحرب الشعواء عليه ؟ ولماذا هذا الطعن في كتاب مأخوذ من الإنجيل والتوراة ؟ أليس حقيقة هذا الأمر أنه طعن في الأصل المأخوذ منه ؟،
أم أن هؤلاء الطاعنين علموا في قرارة أنفسهم أنه كتاب عظيم منزل من الله تعالى , وأنه ناسخ للشرائع السابقة ؛ فهالهم هذا الأمر وحاولوا تنفير الناس منه بأي طريق ,فأخذوا يتكلمون بأي كلام ,لا لشيء إلا بغضا لهذا الكتاب , فجرفهم الحماس حتى قالوا كلاما طعنوا به في التوراة والإنجيل -التي يدينون بها-وهم لا يشعرون.
14-لقد شهد المنصفون من المستشرقين بضد ذلك:
يقول المستشرق الإنجليزي لايتنر(568):( بقدر ما أعرف من دِينَيِ اليهود والنصارى أقول بأن ما علمه محمد ليس اقتباساً , بل قد أوحى إليه ربه, ولا ريب بذلك )(569).
ويقول هنري دي كاستري :(ثبت إذن أن محمدا لم يقرأ كتابا مقدسا , ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدم عليه )(570).
15-وأما قول طه حسين :(وأما القسم المدني فهو هاديء لين وديع مسالم ، يقابل السوء بالحسن , ويناقش الخصوم بالحجة الهادئة والبرهان الساكن الرزين : فيقول ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ([الأنبياء:22] ،ويهجر مع أعدائه الترهيب , والقسوة ويسلك سبيل الترغيب والتطميع في المكافأة).
فنقول : إن من غيرك ممن يوافقك أو توافقهم النصارى المبشرين والمستشرقين يخالفونك هنا فهذا الخوري الحداد يقول:(حين استقر محمد في المدينة انقلب انقلابا شاملا كاملا، انقلابا في الدعوة ، فقد دخلت السياسة الدين ، وانقلابا في الداعية الذي أصبح رجل دولة وحرب ، وانقلابا في طريق الدعوة لقتال المشركين إلى أن يؤمنوا , والكتابيين حتى يخضعوا للجزية ، انقلابا في الأسلوب حيث كان بالحكمة والموعظة الحسنة ,فصار بالقتال والجهاد)(571)، فمن نصدق؟، والحق أن أسلوب القرآن واحد ، ولكنه يشتد مع الكافرين , ويتلطف مع المؤمنين(572) .
16-وأما الحداد فقد حشى كتبه بالتناقض المضحك ،ونقول له : ( وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ( . فإليك هذه الطامة ؛ إنه يقرر بكل وضوح وقوة أن القرآن (نسخة عربية من الكتب السماوية السابقة المنزلة على الأنبياء السابقين ومقتبس منها ، والقرآن كتاب توراتي إنجيلي في موضوعه ومصادره وقصصه وجدله) ،ويدلل على هذا بأن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أخذه من ورقة وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي ساقها.
ويقول :إن ذلك حجة قاطعة على بيئة النبي , والقرآن كانت كتابية من كل نواحيها، وأن ثقافة محمد والقرآن كتابية في كل مظاهرها, وذلك بمعزل عن الوحي والتنزيل).