- ومنها الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي ، فمن ذلك ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى : ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ( الآية [الصف : 9] ففعل ذلك وكان أبو بكر رضي - الله عنه - إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ؛ ليثقوا بالنصر وليستيقنوا بالنجح ، وكان عمر - رضي الله عنه - يفعل ذلك ، فلم يزل الفتح يتوالى شرقا وغربا برا وبحرا قال الله تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ([النور : 55] وقال : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ( [الفتح : 27]وقال : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ( [الأنفال : 7] وقال : ( ألم ،غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ( [الروم:1-3] فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين ، أو من أوقفه عليها رب العالمين ، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسوله ، لتكون دلالة على صدقه.
- ومنها ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام ، وفي سائر الأحكام .
- ومنها الحكم البالغة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدمي .
- ومنها التناسب في جميع ما تضمنه اختلاف ، قال الله تعالى : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( [النساء : 82] قلت فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة الله عليهم)(413).
(وقد سرد هبةُ الدين الحسيني الشهرستاني المزايا الإجمالية للقرآن وهي :
- فصاحةُ ألفاظه الجامعة لكل شرائعها .
- بلاغته بالمعنى المشهور ؛ أي موافقة الكلام لمقتضى الحال ومناسبات المقام ، أو بلاغته المعنوية .
- توفر المحاسن الطبيعية فوق المحاسن البديعية .
- إيجاز بالغ مع الإعجاز بدون أن يخل بالمقصود .
- إطناب غير ممل في مكرراته .
- سمو المعاني وعلو المرمى في قصد الكمال الأسمى .
- طلاوة أساليبه الفطرية ، ومقاطعه المبهجة ، وأوزانه المتنوعة .
- فواصله الحسنى وأسماعه الفطرية .
- أسرار علمية لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إلا بمعونة الأدوات الدقيقة ، والآلات الرقيقة المستحدثة .
- غوامض أحوال المجتمع ، وآداب أخلاقية تهذب الأفراد وتصلح شؤون العائلات .
- قوانين حكيمة في فقه تشريعي ، فوق ما في التوراة ، والإنجيل ، وكتب الشرائع الأخرى .
- سلامته عن التعارض ، والتناقض ، والاختلاف .
- خلوصه من تنافر الحروف ، وتنافي المقاصد .
- ظهوره على لسان أُمي لم يعرف الدراسة ، ولا ألف محاضرة العلماء ، ولا جاب الممالك سائحا مستكملا .
- طراوته في كل زمان ، كونه غضاً طرياً كلما تُلي وأينما تُلي .
- اشتماله على السهل الممتنع ، الذي يعد ملاك الإعجاز ،والتفوق النهائي .
-قوة عبارته لتحمل الوجوه ، وتشابه المعاني .
-قصصه الحلوة ، وكشوفه التاريخية من حوادث القرون الخالية .
- أمثاله الحسنى التي تجعل المعقول محسوسا ، وتجعل الغائب عن الذهن حاضرا لديه .
- معارفه الإلهية كأحسن كتاب في علم اللاهوت ، وكشف أسرار عالم الملكوت ، وأوسع سفر من مراحل المبدأ والمعاد .
- خطاباته البديعية ، وطرق إقناعه الفذة .
- تعاليمه العسكرية ، ومناهجه في سبيل الصلح ، وفنون الحرب .
- سلامته من الخرافات والأباطيل ، التي من شأنها إجهاز العلم عليها كلما تكاملت أصوله وفروعه .
- قوة الحجة ، وتفوق المنطق .
- اشتماله على الرموز في فواتح السور ، ودهشة الفكر حولها وحول غيرها .
- جذباته الروحية الخلابة للألباب ، السحرة للعقول ، الفتانة للنفوس .
هذا وإن وجوه إعجاز القرآن كثيرة ، وقد أُلفت فيها كتب كثيرة ، ويمكن أن يضاف إلى ما ذكره الشهرستاني ما يلي :
- ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة ، مما يؤكد عجز البشر عن الإتيان بمثله.
- اتساق القرآن في أغراضه ومعانيه على طول المدة التي استغرقها في تجميعه ، فخواتيمه بعد ربع قرن جاءت مطابقة متساوقة لفواتحه يصدق بعضها بعضا، ويكلمه كأنه نَفَس واحد.
- سهولة حفظه كما قال تعالى :( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ( . فهو ميسر على جميع الألسنة ، ومحفوظ في الصدور.
- حسن التخلص من قصة إلى أخرى ، والخروج من باب إلى غيره.
- إطنابه في خطاب اليهود ، وإيجازه في خطاب العرب ، للتفاوت بينهما فَهْمًا وبلاغة .
- وجود كلمات في جمل لا يسد مسدها غيرها ، مثل قوله تعالى : ( وأهش بها على غنمي ( [طه:18] فليس بمقدور أحد أن يأتي بكلمة تسد مسدها .
- نزاهته في التعبير ، كقوله : ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ( [البقرة:187]، وقوله: ( نساؤكم حرث لكم ( [البقرة:223] وقوله : ( أفضى بعضكم إلى بعض ( [النساء:21] وقوله :( أو جاء أحد منكم من الغائط ( [النساء : 43].