- منها النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب وفي غيرها ، لأن نظمه ليس من نظم الشعر في شيء ، وكذلك قال رب العزة الذي تولى نظمه:( وما علمناه الشعر وما ينبغي له ( وفي " صحيح مسلم " أن أنيسا أخا أبي ذر قال لأبي ذر :لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله . قلت :فما يقول الناس ؟ قال :يقولون : شاعركاهن ساحر -وكان أنيس أحد الشعراء -قال أنيس :لقد سمعت قول الكهنة ، فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر ، فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون . وكذلك أقر عتبة بن ربيعة أنه ليس بسحر ولا شعر ، لما قرأ عليه رسول الله (حم فصلت ، على مايأتي بيانه هنالك ،فإذا اعترف عتبة على موضعه من اللسان ، وموضعه من الفصاحة والبلاغة ، بأنه ما سمع مثل القرآن قط ، كان في هذا القول مقرا بإعجاز القرآن له ، ولضربائه من المتحققين بالفصاحة والقدرة على التكلم بجميع أجناس القول وأنواعه .
- ومنها الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب(412) .
- ومنها الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال ، وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها ، وقوله سبحانه : ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ( [الزمر : 42] إلى آخر السورة ، وكذلك قوله سبحانه : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ( إلى آخر السورة .
فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق : علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول : ( لمن الملك اليوم ( [غافر : 16] ولا أن يقول : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ([الرعد : 13] .
قال ابن الحصار :وهذه الثلاثة من النظم والأسلوب والجزالة لازمة كل سورة ، بل هي لازمة كل آية ، وبمجموع هذه الثلاثة يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر ، وبها وقع التحدي والتعجيز ،ومع هذا فكل سورة تنفرد بهذه الثلاثة أن ينضاف إليها أمر آخر من الوجوه العشرة ، فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات قصار ، وهي أقصر سورة في القرآن وقد تضمنت الإخبار عن مغيبين ؛ أحدهما الإخبار عن الكوثر وعِظَمِهِ وسعته وكثرة أوانيه، وذلك يدل على أن المصدقين به أكثر من أتباع سائر الرسل ، والثاني الإخبار عن الوليد بن المغيرة ، وقد كان أول نزول الآية ذا مال وولد على ما يقتضيه قول الحق ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ( [المدثر :11-14]ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده وانقطع نسله ( إن شانئك هو الأبتر (.
- ومنها التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي ، حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف موضعه .
- ومنها الإخبار عن الأمور التي في أول الدنيا إلى وقت نزوله ، من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه ، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها والقرون الخالية في دهرها ، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه وتحدوه به من قصص أهل الكهف ، وشأن موسى والخضر عليهما السلام ، وحال ذي القرنين فجاءهم وهو أمي من أمة أمية ، ليس لها بذلك علم بما عرفوا من الكتب السالفة صحته فتحققوا صدقه ،قال القاضي ابن الطيب : ونحن نعلم ضرورة أن هذا مما لا سبيل إليه إلا عن تعلم ، وإذا كان معروفا أنه لم يكن ملابسا لأهل الآثار وحملة الأخبار ، ولا مترددا إلى المتعلم منهم ، ولا كان ممن يقرأ فيجوز أن يقع إليه كتاب فيأخذ منه ؛ عُلم أنه لا يصل إلى علم ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي .
- ومنها الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان ، في كل ما وعد الله سبحانه ، وينقسم إلى أخباره المطلقة ، كوعده بنصر رسوله عليه السلام ، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه ، وإلى وعد مقيد بشرط كقوله : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ( [الطلاق : 3]( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ( [التغابن : 11]( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ( [الطلاق : 2]( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ( [الأنفال : 65]وشبه ذلك.