جلست جويريات يضربن بالدف في صبيحة عرس الربيع بنت معوذ الأنصارية، وجعلن يذكرن آباءَهُنَّ من شهداء بدر حتى قالت جارية منهن : و فينا نبي يعلم ما في غدٍ . فقال : «لا تقولي هكذا ، و قولي ما كنت تقولين ». رواه البخاري(276). و مصداقه في كتاب الله تعالى : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله و لا أعلم الغيب ( [ سورة الأنعام الآية:60 ]، ( و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ( [سورة الأعراف الآية:188].
2- لا يُظهر خلاف ما يبطن :
كان عبد الله بن أبي السرح أحد النفر الذين استثناهم النبي من الأمان يوم الفتح؛ لفرط إيذائهم للمسلمين و صدهم عن الإسلام ، فلما جاء إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لم يبايعه إلا بعد أن شفع له عثمان رضي الله عنه ثلاثاً . ثم أقبل على أصحابه فقال : « أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟ » فقالوا : ما ندري ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك ! فقال ( : « إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ». رواه أبو داود والنسائي(277) .
3- خوفه من التقول على الله :
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : دُعِي رسولُ الله ( إلى جِنَازةِ صبيًّ مِنَ الأنصارِ . فقلتُ : يا رسولُ الله طوبَى لهذا ، عصفورُ مِن عصافيرِ الجَنَّةِ، لم يعملِ السُّوءَ ولم يُدْرِكْه. فقال : « أو غيْرَ ذلك يا عائشةُ ، إنَّ الله خَلَق للَجنةِ أهلاً ، خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائهم، وخلق للنارِ أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائهم ». رواه مسلم(278) .
وقال البخاري: بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ ( يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَيَقُولُ لاَ أَدْرِي أَوْ لَمْ يُجِبْ، حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا بِقِيَاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ(وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : سُئِلَ النَّبِيُّ ( عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ(279).
( قَوْله : ( بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ ( يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْي، فَيَقُولُ لَا أَدْرِي , أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْي ) أَيْ كَانَ لَهُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْء الَّذِي لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ حَالَانِ:إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُت حَتَّى يَأْتِيه بَيَان ذَلِكَ بِالْوَحْيِ ،وَالْمُرَاد بِالْوَحْيِ أَعَمّ مِنَ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمِنْ غَيْره ،وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ عِدَّة أَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث اِبْن عُمَر " جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيِّ (فَقَالَ :أَيُّ الْبِقَاع خَيْرٌ ؟ قَالَ : « لَا أَدْرِي ». فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَسَأَلَهُ فَقَالَ : « لَا أَدْرِي ». فَقَالَ : « سَلْ رَبّك »فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ انْتِفَاضَة. الْحَدِيث أَخْرَجَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَلِلْحَاكِمِ نَحْوَه مِنْ حَدِيثِ جُبَيْر ابْنِ مُطْعمِ ،وَفِي الْبَاب عَنْ أَنَس عِنْد اِبْن مَرْدَوَيْهِ ،وحَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه ( قَالَ : « مَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَةُُُ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا ». هُوَ عِنْد الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْحَاكِم) (280).
4- لا يدري ماذا سيكون حظه عند الله :
و لما توفي عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - قالت أم العلاء - امرأة من الأنصار - : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله . فقال ( : « و ما يدريك أن الله أكرمه ؟ » فقالت : بأبي أنت يا رسول الله ، فمن يكرمه الله ؟ قال : أما هو فقد جاءه اليقين ، و الله إني لأرجو له الخير ، و الله ما أدري و أنا رسول ما يفعل بي ».قالت : فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً ) رواه البخاري(281)، و مصداقه في كتاب الله تعالى : ( قل ما كنت بِدعاً من الرسل و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم ( [ سورة الأحقاف الآية : 9 ] .
أتراه لو كان حين يتحامى الكذب يتحاماه دهاءً و سياسةً ، خشية أن يكشف الغيب قريباً أو بعيداً عن خلاف ما يقول ، ما الذي كان يمنعه أن يتقول ما يشاء في شأن ما بعد الموت، وهو لا يخشى من يراجعه فيه ، و لا يهاب حكم التاريخ عليه ؟ بل منعه الخُلق العظيم، و تقدير المسئولية الكبرى أمام حاكم آخر أعلى من التاريخ و أهله ( فلنسألن الذين أرسل إليهم و لنسألن المرسلين ، فلنقصن عليهم بعلم و ما كنا غائبين ( [ الأعراف الآيتان : 6 ، 7 ] )(282).
ولنأخذ خلقا واحدا من أخلاقه على سبيل المثال وهو خلق الصدق: