تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القول الثاني : وهو قريب من الأول في البطلان ، أو مثله ، ونعني قول القاضي عبد الجبار : (ومنها - أي الحِكَم - أن كون القرآن كذلك - أي محكماً ومتشابها - يصرفه أن يعول على تقليده ؛ لأنه يرى أنه ليس بأن يقلد كلامه عز وجل في نفي التشبيه ؛ لقوله عز وجل : (ليس كمثله شيء( أولى من أن يقلده في خلافه لقوله عز وجل : (وجاء ربك( . فكما أن اختلاف العلماء في الديانات ، وقول بعضهم في المذهب بخلاف قول صاحبه ، يصرف المميز عن تقليدهم ؛ لأنه ليس تقليد بعضهم بأولى من تقليد سائرهم ، فكذلك انقسام القرآن إلى الوجهين اللذين ذكرناهما ، يصرف من ذلك لا محالة ، وما صرف عن التقليد المحرم ، وبعث على النظر والاستدلال ، فهو في الحكمة أولى)(97) .

وهذا الكلام غاية في البطلان ؛ فإن القرآن إنما أنزل ليتبع ويقلد ؛ قال تعالى : (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون([الأنعام : 155] ، وقال تعالى : (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم( [الأعراف : 3] وقال : (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم( [الزمر : 55] ، وقال : (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلّا ما يوحى إلي( [يونس : 15] . وقال : (واتبع ما يوحى إليك من ربك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين( [يونس : 109] . فإلى الله المشتكى ، وهو الحاكم فيمن يجعل اتباع القرآن تقليداً محرماً ، إنه لعجب كيف أمكن أن يقال هذا الباطل من المنتسبين إلى علماء الملة الحنيفية ، وقد عظَّم الله شأن القرآن ورفعه فوق زبر الأولين ، وجعله إماماً لخير الأمم .

قال تعالى : (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا([المائدة : 48] .

وقال : (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً( [الإسراء : 9] . وكيف يكون القرآن حاكماً إذا كان نزوله من أجل أن يصرف الناس عن تحكيمه في عقيدتهم ؟! قال عز وجل : (آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد( [إبراهيم : 1]. وقال : (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين( [النمل : 89] . وقال : (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه( [البقرة : 213] .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

--------------------------------------------------------------------------------

(89) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/46-47) ، دار المدني ، جدة ، 1408 .

(90) شفاء العليل لابن القيم ص : 193 ، تحقيق محمد بدر الدين الحلبي ، دار الفكر ، بيروت ، 1978 .

(91) تفسير ابن كثير (3/48) ، مكتبة دار التراث ، القاهرة .

(92) انظر : تفسير أبي السعود (2/8) ، الخازن (1/320) تفسير أبي الليث السمرقندي (2/13) ، تفسير النسفي (1/246) ، تفسير البيضاوي (2/4) ، تفسير القرطبي (4/89) وانظر : كذلك التمهيد لأبي الخطاب (2/276) . فتح القدير للشوكاني (1/318)

(93) وقد تقدم ذكر هذه الفائدة ؛ لذلك لم أرقمها .

(94) راجع الإتقان 2/31 .

(95) المصدر السابق (2/16) .

(96) أساس التقديس ص 192 ، وانظر : تفسيرالفخر الرازي أيضاً (7/172) .

(97) متشابه القرآن للقاضي عبدالجبار(1/26) .

(1/11)

--------------------------------------------------------------------------------

المبحث الثالث : أنواع المطاعن

الطاعنون في القرآن كثر ، ومطاعنهم وشبهاتهم كثيرة ، وحصرها قد يعيي الباحث ، ويكل المجد ، ولكن حقيقة هذه الطعون أنها تدور في أفلاك محددة ، وتنبع من مشكاة واحدة ، ويمكننا أن نرجعها إلى أصول وقواعد تلملم شعث هذه الطعون ، والرد على هذه الأصول يتكفل بالرد على جميع ما تحته من طعونات لا تعد ولا تحصر(98) ، ويمكننا أن نرد المطاعن إلى أربعة أصول يتفرع من بعضها فروع ؛ وهي :

1- نفي نسبة القرآن لله تعالى : ويشمل عدة طعون :

-نسبته إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه من تأليفه(99) .

-نسبته إلى الاقتباس من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل(100) .

-دعوى عدم قدسيته وإمكانية نقده ومخالفته(101) ؛ يعني قد يقر بأنه ليس من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وأنه من الله تعالى، ولكن يقول هو ليس مقدسا ، بل يمكن نقده ، وهذا الكلام حقيقته نفي القرآن عن الله تعالى ؛ لأن ما كان من الله سبحانهفهو مقدس ولا يمكن نقده ، وما كان من غيره فينطبق عليه ما يجري على كلام البشر من خطأ أو عجز أو جهل ، إلى غير ذلك من نقائض البشر .

2- زعم عدم حفظه :

يعني قد يقر بأن القرآن من الله جل جلاله ، ولكن يزعم عدم حفظه فيدعي :

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢١٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢١٨٩