للعلماء في الكتابة في هذا الفن عدة اتجاهات ؛ لأن منهم من يقف عند المادة التي يدرسها ، والإشكالات التي ترد عليها . ومنهم من يفرد لهذه الطعون كتباً - أو أجزاء من كتب - ثم يرد عليها . وثمة من يركز على شبيهات كتاب أو شخص بعينه ، ومن هؤلاء من يهتم بالطعون من حيث هي ، دون التفات لقائلها .. وبيان ذلك على النحو التالي :
المطلب الأول :من حيث المادة التي تدرس فلهم فيها اتجاهان على سبيل الإجمال :
1- الجواب على الطعون والإشكالات اللغوية والنحوية :
مثل كتاب " مشكل إعراب القرآن "(69) للقيسي(70) ، و" إعراب مشكل القرآن "(71) لثعلب(72) ، وهذا الاتجاه يجيب عن كل إشكال لغوي ونحوي ، وهو في حقيقته دفاع عن قوله تعالى : (إنا أنزلناه قرآنا عربيا ...( [ يوسف :2 ] ، ولعل أول الطعون اللغوية ما اشتهر باسم مسائل ابن الأزرق(73) مع ابن عباس :
عن حميد الأعرج ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ، عن أبيه قال بينا عبد الله بن عباس ( جالس بفناء الكعبة ، قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر : قم بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به .فقاما إليه فقالا : إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب الله ، فتفسرها لنا ، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب ؛ فإن الله تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فقال ابن عباس : سلاني عما بدا لكما . فقال نافع : أخبرني عن قول الله تعالى : (عن اليمين وعن الشمال عزين( قال العزون الحِلق الرقاق . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول :
فجاؤوا يُهرعون إليه حتى *
* يكونوا حول منبره عزينا
قال :أخبرني عن قوله : (وابتغوا إليه الوسيلة( قال الوسيلة الحاجة . قال وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت عنترة وهو يقول :
إن الرجال لهم إليك وسيلة *
* إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
قال : أخبرني عن قوله : (شرعة ومنهاجا( قال :الشرعة الدين ، والمنهاج الطريق . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول :
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى *
ج * وبين للإسلام دين ومنهاجا
قال :أخبرني عن قوله (إذا أثمر وينعه( قال : نضجه وبلاغه . قال وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
إذا ما مشت وسط النساء تأودت *
* كما اهتز غصن ناعم النبت يانع
قال :أخبرني عن قوله تعالى : (وريشا( قال : الريش المال .قال وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
فرشني بخير طالما ما قد ريتني*
* وخير الموالي من يريش ولا يبري
قال : أخبرني عن قوله تعالى : (لقد خلقنا الإنسان في كبد( قال :في اعتدال واستقامة .قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول :
يا عين هلا بكيت أربد إذ *
* قمنا وقام الخصوم في كبد
قال :أخبرني عن قوله تعالى : (يكاد سنا برقه( قال : السنا الضوء . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت أبا سفيان بن الحارث يقول :
يدعو إلى الحق لا يبغي به بدلا *
* يجلو بوء سناه داجي الظلم
ج
قال :أخبرني عن قوله تعالى : (وحفدة( قال : ولد الولد ، وهم الأعوان . قال :وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
حفد الولائد حولهن وأسلمت *
جج * بأكفهن أزمة الأجمال
جج قال :أخبرني عن قوله تعالى : (وحنانا من لدنا( قال :رحمة من عندنا . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، أما سمعت طرفة بن العبد يقول :
أبا منذرٍ أفنيتَ فاسْتَبقِ بعضنا حنانيك بعض الشرِ أهونُ من بعضِ
قال :أخبرني عن قوله تعالى : (أفلم ييأس الذين آمنوا( قال : أفلم يعلم بلغة بني مالك .قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، أما سمعت مالك بن عوف يقول :
لقد يئس الأقوامُ أني أنا ابنُه وإن كنتُ عن أرضِ العشيرة نائبًا
قال : أخبرني عن قوله تعالى : (مثبورا( قال : ملعونا محبوسا من الخير . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال نعم ، أما سمعت عبد الله بن الزُّبَعْرَي يقول :
إذ أتاني الشيطان في سنة النو *
* م ومن مال ميله مثبورا
قال : أخبرني عن قوله تعالى : (فأجاءها المخاض( قال :ألجأها . قال :وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت حسان بن ثابت يقول :
إذ شددنا شدة صادقة * * فأجأناكم إلى سفح الجبل قال : أخبرني عن قوله تعالى : (نديا( قال :النادي المجلس .قال :وهل تعرف العرب ذلك ؟
قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
يومان يوم مقامات وأندية * * ويوم سير إلى الأعداء تأويب
إلى آخر تلك المسائل ، وقد جاءت في كتاب "الإتقان" للسيوطي في أكثر من ثلاثين صفحة(74).