ويجوز أن الخادم قد فكر في أنه لو هَمَّ بواحدة من بنات الأسرة التي يعمل لديها ؛ فقد تطرده الأسرة من العمل ؛ بينما هو يحيا سعيداً مع تلك الأسرة .
وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يوزع تلك المسائل بنظام وتكافؤات في كثير من الأحيان .
وهنا في الآية قال الحق سبحانه :
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ... 24﴾ يوسف
إذن برهان ربه سابق على الهم ، فواحد هّمّ ولم يرتكب ما يتطلبه الهم ؛ لأن برهان ربه في قلبه ، وقد عرف يوسف برهان ربه من البداية .
وبذلك تنتهي المسألة ، ولذلك فلا داعي أن يتدخل الناس في متاهات أنه هَمّ وجلس بين شعبتيها ، ولم يرتعد إلا عندما تمثل له وجه والده يعقوب ونهاه عن هذا الفعل ؛ فأفسقُ الفُساق ولو تمثل له أبوه وهو في مثل هذا الموقف لأصيب بالإغماء .
وحين تناقش من رأي هذا الرأي ؛ يرد بأن هدفه أن يثبت فحولة يوسف ؛ لأن الهم وجد وأنه قد نازع الهم .
ونقول لصاحب هذا الرأي : أتتكلم عن الله ، أم عن الشيطان ؟
أنت لو نظرت إلى أبطال القصة تجدهم ؛ امرأة العزيز ؛ ويوسف والعزيز نفسه ؛ والشاهد على أن يوسف قد حاول الفكاك من ذلك الموقف ، ثم النسوة اللاتي دعتهن امرأة العزيز ليساهدوا جمال يوسف ؛ والله قد كتب له العصمة .
فكل هؤلاء تضافروا على أن يوسف لم يحدث منه شيء .
وقال يوسف نفسه : ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ... 26 ﴾ يوسف
وامرأة العزيز نفسها قالت مُصدقة لما قال : ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ ... 32 ﴾ يوسف
وقالت : ﴿ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ـ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ 51و52 ﴾ يوسف
وعن النسوة قال يوسف : ﴿ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ .. 50 ﴾ يوسف
وقال يوسف لحظتها : ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ... 33 ﴾ يوسف .
والصبوة هي حديث النفس ؛ وهو ما يثبت قدرة يوسف عليه السلام على الفعل ، وحماه الله من الصبوة ؛ لأن الحق سبحانه قد قال : ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ.. 34 ﴾ يوسف
وانظر إلى لقطة النسوة اللاتي تهامسن بالنميمة عن امرأة العزيز وحكايتها مع يوسف ، ألم يقلن :
﴿ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ .. 31 ﴾ يوسف
فحين دخل عليهن اتجهت العيون له ، وللعيون لغات ؛ وللانفعال لغات ؛ وإلا لماذا قال يوسف : ﴿ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ... 33 ﴾ يوسف .
وهكذا نعلم أنه قد حدثت مُقدمات تدل على أن النسوة نوين له مثل ما نوته امرأة العزيز ؛ وظنن أن امرأة العزيز سوف تطرده ؛ فيتلقفنه هن ؛ وهذا داب البيوت الفاسدة .
وهل هناك أفسد من بيوت العزيز نفسه ، بعد أن حكم الشاهد أنها هي التي راودت يوسف عن نفسه ؛ فيدمدم العزيز على الحكاية ، ويقول : ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ .. 29 ﴾ يوسف
وكان هدف العزيز أن يحفظ مكانته من القيل والقال .
وحين سأل الشاهد النسوة ، بماذا أجبن ؟
يقول الحق سبحانه أن النسوة قلن : ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ... 51﴾ يوسف
وقد صرف الله عن الشيطان الذي يتكفل دائماً بالغواية ، وهو لا يتدخل أبداً في معركة مع الله ؛ ولكنه يدخل مع خلق الله ؛ لأن الحق سبحانه يورد على لسانه :
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ــ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 81 و 82 ﴾ ص
فالشيطان نفسه يُقر أن من يستخلصه الله لنفسه من العباد إنما يعجز ـ هو كشيطان ـ عن غوايته ، ولا يجرؤ على الأقتراب منه .
والشاهد الذي من أهل امرأة العزيز ، واستدعاه العزيز ليتعرف على الحقيقة قال : ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ... 27 ﴾ يوسف
وبعد كل هذه الأدلة فليس من حق أحد أن يتساءل : هل هم يوسف بامرأة العزيز ، ام لم يهم ؟
وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه :
﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ... 24﴾ يوسف
والبرهان هو الحجة على الحكم ، والحق سبحانه هو القائل : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً .. 15﴾ الإسراء .
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه : ﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... 165 ﴾ النساء
أي : لا بد أن يبعث الحق رسولاً للناس مؤيداً بمعجزة تجعلهم يُصدقون المنهج الذي يسيرون عليه ؛ كي يعيشوا حياتهم بانسجام إيماني ، ولا يعذبهم في الآخرة .
ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله : ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ... 24 ﴾ يوسف