تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما تفسير قوله لولا أن رأى برهان ربِّهِ (آية 24) فقال قتادة وأكثر المفسرين: إن يوسف رأى صورة يعقوب وهو يقول له: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء! . وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضاً على أصبعه. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل له يعقوب، فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله . وقال السدّي: نودي يا يوسف أتواقعها؟ إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جو السماء لا يطاق عليه. وإن واقعْتَها كمثله إذا وقع على الأرض، لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئاً. ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يُطاق، ومثلك إن واقعتها كمثله إذا مات ودخل النمل في قرنه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه (الكشاف في تفسير يوسف 12: 24).

أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: البرهان الذي أرى يوسف هو ثلاث آيات من كتاب الله وإنَّ عليكم لَحَافِظِين، كِراماً كاتِبِين، يعلمون ما تفعلون (الانفطار 82: 10 12). وقوله: وما تكونُ في شأْنٍ وما تتلو منه من قرآنٍ (يونس 10: 61). وقوله: أفمَنْ هو قائمٌ على كلِ نفسٍ بما كسَبَت (الرعد 13: 33). زاد غيره آية أخرى ولا تَقْرَبوا الزنا (الإسراء 17: 32). وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن عباس في قوله لولا أن رأى آية من كتاب الله نهته مثلت له في الحائط (الإتقان للسيوطي فصل ما نزل على غير محمد).

نقول: (1) كيف نزلت هذه الآيات على يوسف؟ هل باللغة العربية؟ فكيف فهمها وهو عبراني؟! أم بالعبرانية؟ فكيف تتفق مع إنّا أنزلناه قرآناً عربياً ؟ (يوسف 12: 2). (2) كيف نزلت الآيات القرآنية ليوسف قبل مولد محمد؟

والكتاب المقدس يشهد أن يوسف منزّهٌ عن قوله هَمَّت به وهَمَّ بها . فورد في تكوين 39: 9 أنه لما طلبت امرأة فوطيفار من يوسف أن يضطجع معها، قال: إن سيدي سلّم كل شيء ليدي في هذا البيت، ولم يُمسك عني شيئاً غيرك، لأنك امرأته، فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله؟ وكانت تكلمه من يوم إلى آخر فلم يلتفت إليها

الرد

والهم هو حديث النفس بالشيء ؛ إما أن يأتيه الإنسان أو لا يأتيه .

ومن رحمة ربنا بخلقه أم من هَمَّ بسيئة وحدثته نفسه أن يفعلها ؛ ولم يفعلها كُتبت له حسنة . فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : (( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، وإن عملها كتبت )) أخرجه مسلم في صحيحه (130) كتاب الإيمان (حديث 206 ) .

وقد جاءت العبارة هنا في أمر المراودة التي كانت منها ، والامتناع الذي كان فيه ، واقتضى ذلك الأمر مًفاعلة بين اثنين يصطرعان في شيء .

فأحد الاثنين امرأة العزيز يقول الله في حقها .

﴿ لقد همت به .. 24﴾ يوسف

وسبق أن أعلن لنا الحق سبحانه في الآية السابقة موقفها حين قالت (( هيت لك )) وكذلك بيَّن موقف يوسف عليه السلام حين قال يوسف (( معاذ الله )) .

وهنا يبين لنا أن نفسه قد حدثته أيضاً ؛ وتساوى في حديث النفس ؛ لكن يوسف حدث له أن رأى برهان ربه .

ويكون فَهْمُها للعبارة : لولا أن رأى برهان ربه لّهَمَّ بها ؛ لأننا نعلم أن (( لولا )) حرف امتناع لوجود ؛ مثلما نقول : لولا زيد عندك لأتيتك .

ولقائل أن يقول : كيف غابت قضية الشرط في الإيجاد والامتناع عن الذين يقولون : إن الهم قد وُجد منه ؟ .

ولماذا لم يقُل الحق : لقد همَّتْ به ولم يهم بها ؛ حتى نخرج من تلك القضية ؟

ونقول : لو قال الحق سبحانه ذلك لما أعطانا هذا القولُ اللقطة المطلوبة ؛ لأن امرأة العزيز هَمَّتْ به لأن عندها نوازع العمل ؛ وإن لم يقل لنا أنه قد هَمَّ بها لظننا أنه عِنِّين (1) أو خَصاه موقف أنها سيدته فخارتْ قواه .

إذن : لو قال الحق سبحانه : إنه لم يَهِمّ بها ؛ لكان المانع من الهَمِّ إما أمر طبيعي فيه ، أو أمر طارئ لأنها سيدته فقد يمنعه الحياء عن الهَمِّ بها .

ولكن الحق سبحانه يريد أن يوضح لنا أن يوسف كان طبيعياً ، وهو قد بلغ أشُدّه ونُضْجه ؛ ولولا أن رأى برهان ربه لَهَمَّ بها .

وهكذا لم يَقُمْ يوسف عليه السلام بما يتطلبه ذلك لنقص فيه ؛ ولا لأن الموقف كان مفاجأة ضيعت رجولته بغته ؛ مثل ما يحدث لبعض الشباب ليلة الزفاف ، حين لا يستطيع أن يقرب عروسه ؛ وتمر أيام إلى ا، يستعد توازنه . ويقرب عروسه .

إذن : لو أن القرآن يريد عدم الهم على الإطلاق ؛ ومن غير شيء ، لقال : ولقد همت به ولم يهم بها .

ولكن مثل هذا القول هو نفي للحدث بما لا يستلزم العفة والعصمة ، لجواز أن يكون عدم الهم راجعاً إلى نقص ما ؛ وحتى لا يتطرق إلينا تشبيهه ببعض الخدم ؛ حيث يستحي الخادم أن ينظر إلى البنات الجميلات للأسرة التي يعمل عندها ؛ ويتجه نظره إلى الخادمة التي تعمل في المنزل المجاور ، لأن للعواطف التقاءات .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٢١٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٢١٠٩