تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم قد بخطئ المجتهد لكنه لا يترك الوحي فلا اجتهاد مع النص ,و إنما يأتي الخطأ من غير عمد فيما يجد من الأمور الإقتصادية التي يرى المجتهد أنها حلال أو حرام بحسب الأدلة الشرعية التي يستند إليها و ليس التحريم و التحليل من عند نفسه .

و معنى هذا أن الاقتصاد الإسلامي في جملته مصدره الوحي , أو الاجتهاد في ضوئه . و هذه الخصيصة لا توجد في اي مذهب اقتصادي أخر , فكل المذاهب الأخرى من وضع البشر .

اقتصاد أهل الكتاب ... هل هو رباني المصدر ؟

ماذا عند اليهود ؟

و إذا كان هذا واضحا بالنسبة للاقتصاد الذي ينسب للأفراد , و لم يدعوا هم أنفسهم أنهم استمدوا من الوحي , فقد يقال بربانية المصدر للفكر الإقتصادي عند اليهود أو المسيحيين .

و نحن نعرف أن الديانات السابقة للإسلام كانت مؤقتة , فهي تمثل مرحلة انتقالية إلى أن يأتي الدين الخاتم , لذلك لم يكن هناك منهج اقتصادي كامل . ولذلك أيضا لم يتعهد الله تعالى بحفظ كتبهم كما تعهد بحفظ القرآن الكريم , فحرفت و بدلت .

و قد أشار القرآن الكريم إلى بعض تعاملات عند اليهود حيث قال الله تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا﴾ ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (160) (161) سورة النساء

و في التوراة المحرفة التي يسير عليها اليهود نجد غباحة الربا ما دام الإقراض لغير يهودي " " لا تقرض أخاك بربا , ربا فضة أو ربا طعام , أو ربا شئ مما يقرض بربا . للأجنبي تقرض بربا , و لكن لأخيك لا تقرض بربا كي يباركك الرب "

و مثل هذا لا يمكن أن يحله " رب الناس . ملك الناس . إله الناس " فهو سبحانه و تعالى ليس ربا لليهود دون سواهم

و عند النصارى ؟

و إذا نظرنا إلى الفكر الاقتصادي عند المسيحيين و جدنا أن الاقتصاد ارتبط بالكنيسة في العصور الوسطى قبل أن يظهر مذهب التجاريين , و اتفقت بعض الأمور الاقتصادية مع الوحي , و لكنا وجدنا تعاون الكنيسة مع الإقطاع نفسه , حيث ملكت في بعض البلاد ثلث الأرض , و اشتركوا في الظلم الذي ساد القرون الوسطى , و كان لسوء أعمال رجال الكنيسة أثر في قيام الثورات , و الدعوة لفصل الدين عن الدولة , و هذه القرون المظلمة عندهم كانت عصور النور عندنا حيث أُرسل الرحمة المهداه - صلى الله عليه و سلم - ووجدت خير أمة أخرجت للناس .

و إذا وجدنا في فكرهم الإقتصادي ما يتفق مع الوحي كتحريم الربا , فإنا وجدنا أيضا - إلى جانب الظلم و الاستبداد - ما لا يتفق مع الوحي كتحليل بعض أنواع الربا , أو التقليل من شأن التجارة .

و على سبيل المثال نجد أن توماس الأكويني الذي عرف باعتداله في أفكاره الاقتصادية و ميله غلى الارتباط بالدين , رأيناه يقف في تحريم الربا عند القروض الاستهلاكية ,و يحل ربا التجارة

و الربا الذي حرم بالكتاب و السنة و كان شائعا في الجاهلية كان جله في التجارة , أما القروض الاستهلاكية فكانت نادرة .

و نخلص من هذا أن الاقتصاد الإسلامي وحده رباني المصدر , لذا وجب الإيمان بأنه هو الصالح للناس , فيجب الأخذ به و تطبيقه فهو اقتصاد معصوم في أوامره و نواهيه و مبادئه الكلية و اقرب غلى الصواب من الأمور التي تكون بالاجتهاد .

- - - - - - - - - - - - - - -

الباب الأول

النهي عن الربا في القرآن الكريم

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٧٤