تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أصبح منصب الفتوى اليوم في العالم الإسلامي - إلا ما رحم ربي- حسب العمالة والتبرير لسوءات تلك الدول ، والسير بركابها أينما اتجهت ، وهذا ما يسمى بمفتين تحت الطلب 0

ولو ذهبنا نعدد الفتاوى الباطلة التي أصدرها كثير من مفتي العصر الرسميين، وغير الرسميين لعجزنا عن الحصر ، فحسبنا الله ونعم الوكيل

ولكن لا يجوز أن تؤخذ الفتوى من هؤلاء، لأنهم غير أحرار فيما يفتون ،وغير تقاة ،وغير مؤهلين لذلك إلا من رحم ربي ( وقليل ما هم )

وقد ضرب الله مثلا في القرآن الكريم لمن آتاه آياته فانسلخ منها بالكلب قال تعالى : ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (176) سورة الأعراف

إنه مشهد من المشاهد العجيبة , الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات . . إنسان يؤتيه الله آياته , ويخلع عليه من فضله , ويكسوه من علمه , ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع . . ولكن ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً . ينسلخ كأنما الآيات أديم له متلبس بلحمه ; فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة , انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه . .

أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان ? . .

ها هو ذا ينسلخ من آيات الله ; ويتجرد من الغطاء الواقي , والدرع الحامي ; وينحرف عن الهدي ليتبع الهوى ; ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم ; فيصبح غرضاً للشيطان لا يقيه منه واق , ولا يحميه منه حام ; فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه . . ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد . .

إذا نحن بهذا المخلوق , لاصقا بالأرض , ملوثا بالطين . ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب , يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد . .

كل هذه المشاهد المتحركة تتتابع وتتوالى ; والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر . . فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها . . مشهد اللهاث الذي لا ينقطع

سمع التعليق المرهوب الموحي , على المشهد كله:

(ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون . ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون) . .

ذلك مثلهم ! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم . ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً . ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان , هابطون عن مكان "الإنسان" إلى مكان الحيوان .

مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين . . وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين ; وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم , فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين !

(ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون !) . .

وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً ?

(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 82)

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٤