تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه نظرة الإسلام إلى المال، نظرة تقدر فيها للعاملين نتيجة كسبهم وكدحهم في الحياة فلا تبخس أحدا ولا تظلم أحدا لمصلحة آخر.

فلا إباحية تبيح للماجنين أن يعيشوا على أَكتاف الآخرين شأن النظرية الماركسية التي تبيح الشيوع وتنادى به، و إنما لكل امرئ نتيجة سعيه لا يعدوه إلى سواه.

ولكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون في المال نصيب مفروض للبائسين والمحرومين يأخذونه من أموال إخوانهم الذين وسع اللّه عليهم في الرزق إما بطيب خاطر ورضى نفس كالصدقات وأعمال البر، وإما على سبيل الوجوب والإلزام كالزكاة وجعلت الشريعة الإسلامية مصارف تصرف فيها الأموال لمستحقيها كما بين اللّه ذلك في مواضع كثيرة من كتابه الكريم.

أوجه صرف المال

لما كان -المال- عصب الحياة وشريانها، وكانت المشاكل تحصل بسببه بين الناس ويحصل النزاع والقتال من أجله. جعل اللّه تبارك وتعالى له مصارف عادلة يُصرف فيها لمستحقيها- من المساكين والمحرومين. فعدد اللّه ثمانية أصناف من هذا النوع تعطى لهم الزكاة من أموال الأغنياء، يأخذها ولي أمر المسلمين ويقسمها بينهم كما أمر الله جلت قدرته، ووضح ذلك غاية الإيضاح، فلم يترك ذلك لاختيار أحد، ولم يتركها كذلك للأغنياء أنفسهم يعطون من شاءوا ويحرمون من أرادوا حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وآراؤهم فقال تعالى ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . فهؤلاء هم أصحاب الزكاة الذين سماهم اللّه في كتابه فلا تجوز لغيرهم ولا تحل لغني ولا لقوي مكتسب. هذه هي مصارف الزكاة في الإسلام… مصارف عادلة لا ضرر فيها على أحد من الأغنياء، ولا بخس فيها للفقراء والمساكين كذلك، فيشعر الجميع بشعور الأخوة والتعاون على البر والتقوى، فحينما يقدم الغني الميسور لأخيه الفقير المعدم بعض فضله ويفيض عليه من سعته إنما يشعر أن هذا العمل الذي قام به واجب من واجباته وحق من حقوق أخيه يجب أن يؤديه ويقابل ذلك الأخ هذه المعاملة بالرضى والامتنان للّه أولاً- ثم لأخيه ثانيا: فأولاً: لله الذي فرض هذه الفريضة العادلة فكفلته وشملته بعدلها وإنصافها ورحمتها، فلم تتركه للضياع والحيرة ولم تسلمه للفساد والانحراف أو السرقة والنهب والتخريب بعد أن عجز عن العمل تماما، وثانيا: لأخيه من بعد الذي تذكر أن له أَخا في الله له عليه حقٌ، يؤديه له طاعة للّه، وامتثالا لأمره سبحانه وتعالى، فيعيش الجميع في صفاء ومحبة وألفة يستمتعون جميعا بعدل اللّه رحمته، إخوة متحابين متعاونين كالجسد الواحد.

وفي اعتقادي أن أية أمة من الأمم تطبق هذا المنهج الرباني الخالد في نظام حياتها واقتصادها وشتى شئون الحياة لاشك أنها ستعيش في سعادة كاملة صراحة تامة، لا تعرف معها الفوضى الأخلاقية ولا الحرمان والظلم والجور والأنانية وحقد الطبقات بعضها على بعض كما هو مشاهد اليوم في الدول الاشتراكية بل ولا تشكو من الفائض ولا التضخم المتزايدين اللذين يشكلان الأزمات الاقتصادية لتكدس الثروات بأيدٍ قليلة لها السيطرة التامة على النظام الاقتصادي العام للبلاد.

مزية الاقتصاد الإسلامي

على ضوء ما تقدم نستطيع وضع اللمسات السريعة على مزية الاقتصاد الإسلامي على سائر النظم الاقتصادية الوضعية. السائدة التي لا تقوم ولا تنهض إلا على إنكار الذات الإنسانية ومحاربة الفوارق بين الناس كافة بزعم العدل والمساواة في الطبقات... يقول الأستاذ العقاد رحمه اللّه في كتابه الديمقراطية الإسلامية ما نصه: "والمتأمل في حقيقة الأمر يجد أن الفوارق بين الناس متعددة لا تنحصر في شئون الرزق والثروة فحسب، بل منها ما هو فوارق طبيعية تلازم البشرية كافة ولا تكاد تنفصل عنهم ولا يخلون منها على طول الخط.... إذا كان الناس متفاوتين بطبيعتهم فمن الظلم البين أَن تسوي بينهم، وأن تجعل المتقدم منه كالمتخلف- والعامل كمن لا يعمل. ومن المسخ للطبائع أن تحرم الفاضل ثمرة فضله، وتؤمن الكسلان والبليد على عاقبة كسله وبلادته، فلا إنصاف لذي كفاءة في هذه المساواة، ولا فائدة لعاجز فيها، لأن العاجز لا يسلم من عجزه باختياره، وكل ما نجنيه من هذا الإجحاف تعجيز الأكفاء وتثبيط العاملين".

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٣٩