وَكَذَلِكَ دَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ , وَبِالْخُبْزِ وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ وَبِالزَّيْتِ , وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ , وَبِالْجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَكُلِّ شَيْءٍ , مَا عَدَا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مِنْ السُّنَّةِ. وَلاَ شُنْعَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ; لأََنَّنَا لَمْ نَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى , وَلاَ حَرَّمْنَا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلاَ رَسُولُهُ عليه السلام , وَإِنَّمَا الشَّنِيعُ فِيمَا نَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ : يَجُوزُ بَيْعُ الدَّقِيقِ مِنْ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ كَيْلاً بِكَيْلٍ , مِثْلاً بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ , قَالَ : وَلاَ يَجُوزُ دَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ كَيْلاً بِكَيْلٍ , لَكِنْ وَزْنًا بِوَزْنٍ , مِثْلاً بِمِثْلٍ.
قَالَ عَلِيٌّ فَإِنْ كَانَ دَقِيقُ الْقَمْحِ نَوْعًا وَاحِدًا مَعَ الْقَمْحِ فَمَا يَحِلُّ أَنْ يَبِيعَ دَقِيقَ قَمْحٍ بِدَقِيقِ قَمْحٍ إِلاَّ كَيْلاً بِكَيْلٍ كَمَا يَبِيعُ الدَّقِيقَ بِالْقَمْحِ ; لأََنَّهُمَا قَمْحٌ مَعًا وَإِنْ كَانَ دَقِيقُ الْقَمْحِ صِنْفًا غَيْرَ الْقَمْحِ , فَوَاجِبٌ أَنْ يُجِيزَهُ بِالْقَمْحِ مُتَفَاضِلاً , وَأَجَازَ الْقَمْحَ بِسَوِيقِ الْقَمْحِ مُتَفَاضِلاً فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ دَقِيقِ قَمْحٍ وَبَيْنَ سَوِيقِ قَمْحٍ بِقَمْحٍ
وأعجب مِنْ هَذَا احْتِجَاجُهُمْ فِي ذَلِكَ : بِأَنَّ السَّوِيقَ دَخَلَتْهُ صَنْعَةٌ .
فَقُلْنَا : فَكَانَ مَاذَا وَمِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ الْفَرْقُ بِأَنَّهُ دَخَلَتْهُ صَنْعَةٌ نَعَمْ , وَالدَّقِيقُ أَيْضًا دَخَلَتْهُ , صَنْعَةٌ ، وَلاَ فَرْقَ. وَقَالُوا أَيْضًا : إنَّمَا يُرَاعَى تَقَارُبُ الْمَنَافِعِ .
فَقُلْنَا : وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَكُمْ وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَكُمْ أَنْ تُرَاعُوا تَقَارُبَ الْمَنَافِعِ وَهَلْ هِيَ إِلاَّ دَعْوَى بِلاَ برهان وَقَوْلٌ لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْهِ , وَتَعْلِيلٌ فَاسِدٌ.
وَأَيْضًا : فَإِنَّ الْمَنَافِعَ فِي جَمِيعِ الْمَأْكُولاَتِ وَاحِدَةٌ لَسْنَا نَقُولُ : مُتَقَارِبَةً , بَلْ شَيْءٌ وَاحِدٌ , وَهُوَ طَرْدُ الْجُوعِ , أَوْ التَّأَدُّمِ , أَوْ التَّفَكُّهُ , أَوْ التَّدَاوِي , وَلاَ مَزِيدَ. وَمَنَعُوا مِنْ الْحِنْطَةِ الْمَبْلُولَةِ بِالْيَابِسَةِ , وَأَجَازُوا الْحِنْطَةَ الْمَقْلِيَّةَ بِالْيَابِسَةِ وَكِلْتَاهُمَا مُخْتَلِفَةٌ مَعَ الأُُخْرَى. وَمَنَعُوا مِنْ الدَّقِيقِ بِالْعَجِينِ وَقَدْ دَخَلَتْ الْعَجِينَ صَنْعَةٌ. وَأَبَاحُوا الْقَمْحَ بِالْخُبْزِ مِنْ الْقَمْحِ مُتَفَاضِلاً. وَمَنَعُوا مِنْ اللَّبَنِ بِالسَّمْنِ جُمْلَةً نَعَمْ , وَمَنَعُوا مِنْ اللَّبَنِ بِالْجُبْنِ وَهَلْ الْجُبْنُ مِنْ اللَّبَن إِلاَّ كَالْخُبْزِ مِنْ الْقَمْحِ وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ لَبَنِ شَاةٍ بِشَاةٍ لَبُونٍ , إِلاَّ أَنَّهُ لاَ لَبَنَ الآنَ فِي ضَرْعِهَا ; لأََنَّهُ قَدْ اُسْتُنْفِذَ بِالْحَلْبِ. وَأَجَازُوا بَيْعَ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ إذَا كَانَتْ لاَ تَمْرَ فِيهَا. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّبَنَ يَخْرُجُ مِنْ ضَرْعِ الشَّاةِ , وَأَنَّ السَّمْنَ يُعْمَلُ مِنْ اللَّبَنِ .
فَقُلْنَا : وَالتَّمْرُ يَخْرُجُ مِنْ النَّخْلِ , وَالْخُبْزُ يُعْمَلُ مِنْ الْقَمْحِ. وَمَنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالْعَصِيرِ , وَأَجَازُوهُ بِالْخَلِّ وَهَذِهِ عَجَائِبُ لاَ نَظِيرَ لَهَا , لَوْ تَقَصَّيْنَاهَا لاَ تَسَعُ الأَمْرَ فِي ذَلِكَ , وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ , وَهُوَ كُلُّهُ كَمَا ذَكَرْنَا لاَ يُعْرَفُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ ,وَكَذَلِكَ لاَ يُحْفَظُ ، عَنْ أَحَدٍ قَبْلَ مَالِكٍ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ يَدًا بِيَدٍ مُتَفَاضِلاً وَمُتَمَاثِلاً.