فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَا ذَلِكَ عَلَى الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ , وَالزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلاً
قلنا : الْقِيَاسُ كُلُّهُ بَاطِلٌ , ثُمَّ هَذِهِ مِنْهُ عَيْنُ الْبَاطِلِ , لأََنَّ الزَّبِيبَ هُوَ عَيْنُ الْعِنَبِ نَفْسِهِ , إِلاَّ أَنَّهُ يَبِسَ , وَالتَّمْرُ هُوَ عَيْنُ الرُّطَبِ إِلاَّ أَنَّهُ يَابِسٌ وَالزَّيْتُ هُوَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الزَّيْتُونِ لَكِنَّهُ خَارِجٌ مِنْهُ كَخُرُوجِ اللَّبَنِ مِنْ الْغَنَمِ , وَالتَّمْرِ مِنْ النَّخْلِ , وَبَيْعُ كُلِّ ذَلِكَ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ : جَائِزٌ بِلاَ خِلاَفٍ. فَهَذَا أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ لَوْ صَحَّ الْقِيَاسُ يَوْمًا مَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَهُمْ الْمُخْتَلِفَةَ الْمُتَنَاقِضَةَ وَكُلُّ قَوْلٍ مِنْهَا يُكَذِّبُ قَوْلَ الآخَرِ وَيُبْطِلُهُ , وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْخَطَأِ , كُلُّ ذَلِكَ بِلاَ برهان وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عَظِيمِ نِعَمِهِ عَلَيْنَا كَثِيرًا , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَصْحَابِنَا.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ ، عَنِ السَّوِيقِ بِالْحِنْطَةِ فَقَالَ : إنْ لَمْ يَكُنْ رِبًا فَهُوَ رِيبَةٌ.
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لاَ بَأْسَ بِالْحِنْطَةِ بِالسَّوِيقِ , وَالدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ وَالسَّوِيقِ , فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُمَاثَلَةَ ,
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْمُزَابَنَةِ فَأَغْنَى ، عَنْ تَكْرَارِهِ
1492- مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ آخَرَ دَنَانِيرُ , أَوْ دَرَاهِمُ , أَوْ قَمْحٌ , أَوْ شَعِيرٌ , أَوْ مِلْحٌ , أَوْ تَمْرٌ , أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ , مِمَّا لاَ يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لاَ تَحَاشَ شَيْئًا إمَّا مِنْ بَيْعٍ , إمَّا مِنْ قَرْضٍ , أَوْ مِنْ سَلَمٍ , أَوْ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَهُ حَالًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَالٍّ فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ عِنْدَهُ أَصْلاً. فَإِنْ أَخَذَ دَنَانِيرَ ، عَنْ دَرَاهِمَ , أَوْ دَرَاهِمَ ، عَنْ دَنَانِيرَ , أَوْ شَعِيرًا ، عَنْ بُرٍّ , أَوْ دَرَاهِمَ ، عَنْ عَرَضٍ , أَوْ نَوْعًا ، عَنْ نَوْعٍ لاَ تَحَاشَ شَيْئًا : فَهُوَ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الرِّبَا رِبًا مَحْضٌ , وَفِيمَا لاَ يَقَعُ فِي الرِّبَا حَرَامٌ بَحْتٌ وَأَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ. وَكُلُّ ذَلِكَ مَفْسُوخٌ مَرْدُودٌ أَبَدًا مَحْكُومٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ , إِلاَّ أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى الأَنْتِصَافِ أَلْبَتَّةَ فَيَأْخُذُ مَا أَمْكَنَهُ , مِمَّا يَحِلُّ مِلْكُهُ , لاَ تَحَاشَ شَيْئًا , بِمِقْدَارِ حَقِّهِ , وَلاَ مَزِيدَ , فَهَذَا حَلاَلٌ لَهُ.
برهان ذَلِكَ : مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ تَحْرِيمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الذَّهَبَ , وَالْفِضَّةَ , وَالْبُرَّ , وَالتَّمْرَ , وَالشَّعِيرَ , وَالْمِلْحَ إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ , ثُمَّ قَالَ عليه السلام : فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ وَالْعَمَلُ الَّذِي وَصَفْنَا لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ , بَلْ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَعْدِنِهِ بَعْدُ , فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ كَلاَمِهِ عليه السلام.
وَأَيْضًا : فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ : أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنَايَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ , وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ , إِلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ , وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ , وَلاَ تَبِيعُوا شَيْئًا غَائِبًا مِنْهُ بِنَاجِزٍ , إِلاَّ يَدًا بِيَدٍ