تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 - الرِّبَا مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ , وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ , وَمِنْ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ , وَلَمْ يُؤْذِنْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَاصِيًا بِالْحَرْبِ سِوَى آكِلَ الرِّبَا , وَمَنْ اسْتَحَلَّهُ فَقَدْ كَفَرَ - لِإِنْكَارِهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ - فَيُسْتَتَابُ , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ , أَمَّا مَنْ تَعَامَلَ بِالرِّبَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِلًّا لَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ الرِّبَا لَمْ يَحِلَّ فِي شَرِيعَةٍ قَطُّ لقوله تعالى : ﴿ وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ يَعْنِي فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ . وَدَلِيلُ التَّحْرِيمِ مِنْ الْكِتَابِ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ . وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ . . . ﴾ .

5 - قَالَ السَّرَخْسِيُّ : ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِآكِلِ الرِّبَا خَمْسًا مِنْ الْعُقُوبَاتِ : إحْدَاهَا : التَّخَبُّطُ . . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ﴾ . الثَّانِيَةُ : الْمَحْقُ . . قَالَ تَعَالَى : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾ وَالْمُرَادُ الْهَلَاكُ وَالِاسْتِئْصَالُ , وَقِيلَ : ذَهَابُ الْبَرَكَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ حَتَّى لَا يَنْتَفِعَ بِهِ , وَلَا وَلَدُهُ بَعْدَهُ . الثَّالِثَةُ : الْحَرْبُ . . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ . الرَّابِعَةُ : الْكُفْرُ . . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّبَا : ﴿ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ أَيْ : كَفَّارٍ بِاسْتِحْلَالِ الرِّبَا , أَثِيمٍ فَاجِرٍ بِأَكْلِ الرِّبَا . الْخَامِسَةُ : الْخُلُودُ فِي النَّارِ . قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ . وَكَذَلِكَ - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ , قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : ﴿ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ , بَلْ لِمُرَاعَاةِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْعَادَةِ تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ , إذْ كَانَ الرَّجُلُ يُرْبِي إلَى أَجَلٍ , فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ لِلْمَدِينِ : زِدْنِي فِي الْمَالِ حَتَّى أَزِيدَك فِي الْأَجَلِ , فَيَفْعَلُ , وَهَكَذَا عِنْدَ مَحَلِّ كُلِّ أَجَلٍ , فَيَسْتَغْرِقُ بِالشَّيْءِ الطَّفِيفِ مَالَهُ الْكُلِّيَّةَ , فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَنَزَلَتْ الْآيَةُ . 6 - وَدَلِيلُ التَّحْرِيمِ مِنْ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا : مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ﴿ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاَللَّهِ , وَالسِّحْرُ , وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ , وَأَكْلُ الرِّبَا , وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ , وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ , وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ . وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنهما قَالَ : ﴿ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ , وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ ﴾ . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَصْلِ تَحْرِيمِ الرِّبَا . وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِ مَسَائِلِهِ وَتَبْيِينِ أَحْكَامِهِ وَتَفْسِيرِ شَرَائِطِهِ . 7 - هَذَا , وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُقْرِضُ أَوْ يَقْتَرِضُ أَوْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي أَنْ يَبْدَأَ بِتَعَلُّمِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ قَبْلَ أَنْ يُبَاشِرَهَا , حَتَّى تَكُونَ صَحِيحَةً وَبَعِيدَةً عَنْ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ , وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ , وَتَرْكُهُ إثْمٌ وَخَطِيئَةٌ , وَهُوَ إنْ لَمْ يَتَعَلَّمْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ قَدْ يَقَعُ فِي الرِّبَا دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الْإِرْبَاءَ , بَلْ قَدْ يَخُوضُ فِي الرِّبَا وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّهُ تَرَدَّى فِي الْحَرَامِ وَسَقَطَ فِي النَّارِ , وَجَهْلُهُ لَا يُعْفِيهِ مِنْ الْإِثْمِ وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ النَّارِ ; لِأَنَّ الْجَهْلَ وَالْقَصْدَ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِ تَرَتُّبِ الْجَزَاءِ عَلَى الرِّبَا , فَالرِّبَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ - مِنْ الْمُكَلَّفِ - مُوجِبٌ لِلْعَذَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِهِ الْمُرَابِينَ , يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ : لَوْ لَمْ يَكُنْ الرِّبَا إلَّا عَلَى مَنْ قَصَدَهُ مَا حُرِّمَ إلَّا عَلَى الْفُقَهَاءِ . وَقَدْ أُثِرَ عَنْ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَذِّرُونَ مِنْ الِاتِّجَارِ قَبْلَ تَعَلُّمِ مَا يَصُونُ الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةَ مِنْ التَّخَبُّطِ فِي الرِّبَا , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه : لَا يَتَّجِرُ فِي سُوقِنَا إلَّا مَنْ فَقِهَ , وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا , وَقَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه : مَنْ اتَّجَرَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ ثُمَّ ارْتَطَمَ , أَيْ : وَقَعَ وَارْتَبَكَ وَنَشِبَ . وَقَدْ حَرَصَ الشَّارِعُ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الرِّبَا ; لِأَنَّ مَا أَفْضَى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ , وَكُلُّ ذَرِيعَةٍ إلَى الْحَرَامِ هِيَ حَرَامٌ , رَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ . . ﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ لَمْ يَذَرْ الْمُخَابَرَةَ فَلْيُؤْذَنْ بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ الْمُخَابَرَةُ وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ , وَالْمُزَابَنَةُ وَهِيَ اشْتِرَاءُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ , وَالْمُحَاقَلَةُ وَهِيَ اشْتِرَاءِ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ فِي الْحَقْلِ بِالْحَبِّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ , إنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَمَا شَاكَلَهَا حَسْمًا لِمَادَّةِ الرِّبَا ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ التَّسَاوِي بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ قَبْلَ الْجَفَافِ , وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ : الْجَهْلُ بِالْمُمَاثَلَةِ كَحَقِيقَةِ الْمُفَاضَلَةِ , وَمِنْ هَذَا حَرَّمُوا أَشْيَاءَ بِمَا فَهِمُوا مِنْ تَضْيِيقِ الْمَسَالِكِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الرِّبَا وَالْوَسَائِلِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ , وَتَفَاوَتَ نَظَرُهُمْ بِحَسَبِ مَا وَهَبَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ الْعِلْمِ .

المفصل في أحكام الربا 1 - 8 · الصفحة ٢٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الربا 1 - 8ص ٢٤٧