وما كان هذا التعريف بهذا الصنف من الخلق , ليقصر على الجماعة المسلمة الأولى في المدينة . فالقرآن هو كتاب هذه الأمة ما عاشت , فإذا استفتته عن أعدائها أفتاها , وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها ; وإذا استرشدت به أرشدها . وقد أفتاها ونصح لها وأرشدها في شأن يهود , فدانت لها رقابهم . . ثم لما اتخذته مهجورا دانت هي لليهود , كما رأيناها تتجمع فتغلبها منهم الشر ذمة الصغيرة , وهي غافلة عن كتابها . . القرآن . . شاردة عن هدية , ملقية به وراءها ظهريا ! متبعة قول فلان وفلان !! وستبقى كذلك غارقة في كيد يهود وقهر يهود , حتى تثوب إلى القرآن . .
----------------
وفي التفسير الوسيط (3):
ثم عدد - سبحانه - ألونا أخرى من جرائمهم التى عقابهم عليها شديدا فقال - تعالى - : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
والفاء فى قوله ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ﴾ للتفريع على ما تقدم من قوله ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ والباء للسببية ، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق . والجر والمجرور متعلق بمحذف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب فى التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقصين لعهودهم مع الله - تعالى - فيكون المعنى :
فسببب نقض هؤلاء لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا ، وبسبب قتلهم لأنبيائنا ، وبسبب أقوالهم الكاذبة . بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة ، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ظلم ومهانة وصغار ومسخ . . . الخ .
ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ . . .
أى : فسبب نقضهم للميثاق . وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم .
قال الفخر الرازى : واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان :
أحدهما : أن الكلام طويل جداً من قوله : ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ .
الثانى : أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله - تعالى - ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ﴾ عظيمة جدا . لأن كفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف ، أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة ، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا حسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 1571)
(2) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 113)
(3) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 1123)