وأجابوا عن حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة الأول : جواب البيهقي قال : وقد قيل : إن قوله وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه .
الثاني : جواب القاضي أبي الطيب وآخرين ، أن ظاهر الحديث غير مراد : لأن الميزان نفسه لا ربا فيه وأضمرتم فيه الموزون ، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح ، الثالث : حمل الموزون على الذهب والفضة جمعاً بين الأدلة والظاهر أن هذه الإجابات لا تنهض . لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر ، وقصد ما يوزن بقوله وكذلك الميزان لا لبس فيه ، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر والله تعالى أعلم .
وفي علة الربا في الأربعة مذاهب أخر غير ما ذكرنا عن الأئمة الأربعة ومن وافقهم الأول : مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم أنه لا ربا أصلاً في غير الستة ، ويروى هذا القول عن طاوس ومسروق والشعبي وقتادة وعثمان البني . الثاني : مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة فيها كونها منتفعاً بها ، حكاه عنه القاضي حسين . الثالث : مذهب ابن سيرين . وأبي بكر الآودني من الشافعية أن العلة الجنسية . فيحرم الربا في كل شيء بيع بجنسه كالتراب متفاضلاً والثوب بالثوبين والشاة بالشاتين . الرابع : مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس ، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران . الخامس : مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير والباقلي بالحمص ، والدخن بالذرة مثلاً . السادس : مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنساً تجب فيه الزكاة . فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة كالمواشي ، والزرع وغيرها . السابع : مذهب سعيد بن المسيب وقول الشافعي في القديم : إن العلة كونه مطعوماً يكال أو يوزن ونفاه عما سواه ، وهو كل ما لا يؤكل ولا يشرب ، أو يؤكل ولا يكال ولا يوزن ، كالسفرجل والبطيخ وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة فيها خوف الإطالة المملة .
فروع
الفرع الأول : الشك في المماثلة كتحقق المفاضلة ، فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل . ودليل ذلك : ما أخرجه مسلم والنسائي عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر - لا يعلم كيلها - بالكيل المسمى من التمر .
الفرع الثاني : لا يجوز التراخي في قبض ما يحرم فيه ربا النساء ، ودليل ذلك : ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس رضي الله عنه . قال : أقبلت أقول من يصطرف الدراهم ، فقال طلحة : أرنا الذهب حتى يأتي الخازن ثم تعال فخذ ورقك ، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كلا والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه ، أو لتنقدنه ورقه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الذهب بالورق رباً إلا ها وها ، والبر بالبر رباً إلا ها وها ، والشعير بالشعير رباً إلا ها وها ، والتمر بالتمر رباً إلا ها وها » .
الفرع الثالث : لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب ، ومع أحدهما شيء آخر . ودليل ذلك : ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الطاهر عن ابن وهب من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب ، وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذهب الذي في القلادة فنزع ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم « الذهب بالذهب وزناً بوزن » .
وروى مسلم نحوه أيضاً عن أبي بكر بن شيبة وقتيبة بن سعيد من حديث فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - ونحوه . أخرجه النسائي ، وأبو داود والترمذي وصححه .
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار عند ذكر صاحب المنتقى لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصه الحديث .