والثاني : أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال . قال : سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق ديناً ، رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظ البخاري ومسلم بمعناه . وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً ، فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر .
وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي المنهال ، والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي ، واللتان في الصحيح وكلها أسانيدها في غاية الجودة .
ولكن حصل الاختلاف في سفيان فخالف الحميدي علي بن المديني ، ومحمد بن حاتم ، ومحمد بن منصور ، وكل من الحميدي وعلي بن المديني في غاية الثبت . ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم ، ومحمد بن منصور له ، وشهادة ابن جريج لروايته ، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه ، ولأجل ذلك قال البيهقي رحمه الله : إن رواية من قال إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اه منه بلفظه .
وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه : وقال الطبري معنى حديث أسامة « لا ربا إلا في النسيئة » إذا اختلفت أنواع البيع اه محل الغرض منه بلفظه ، وهو موافق لما ذكر . وقال في فتح الباري أيضاً ما نصه .
تنبيه : وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله : يعني البخاري ، سمعت سليمان بن حرب يقول : لا ربا إلا في النسيئة ، هذا عندنا في الذهب بالورق ، والحنطة بالشعير ، متفاضلاً ولا بأس به يداً بيد ، ولا خير فيه نسيئة . قلت : وهذا موافق اه منه بلفظه .
وعلى هامش النسخة أن بعد قوله وهذا موافق بياضاً بالأصل ، وبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم : أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء . لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال ، والروايات يفسر بعضها بعضاً ، فإن قيل : هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ . إذ لقائل أن يقول لا منافاة بين الروايات المذكورة ، فإن منها ما أطلق فيه الصلاف ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم ، فيحمل المطلق على المقيد ، جميعاً بين الروايتين . فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى ، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثاً آخر وارداً في الجنسين ، وتحريم النساء فيهما ، ولا تنافي في ذلك ولا تعارض .
فالجواب على تسليم هذا بأمرين : أحدهما أن إباحة ربا الفضل منسوخة . والثاني : أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار على تقدير عدم النسخ من أحاديث إباحته . ومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال : باع شريك لي ورقاً بنسيئة إلى الموسم أو إلى الحج ، فجاء إليَّ فأَخبرني فقلت هذا أَمر لا يصح ، قال قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك عليَّ أحد ، فأتيت الراء بن عازب فسألته فقال قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة ونحن نبيع هذا البيع ، فقال « ما كان يداً بيدٍ فلا بأس به ، وما كان نسيئة فهو رباً » ، وأتيت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني ، فأتيته فسألته فقال مثل ذلك . هذا لفظ مسلم في صحيحه . وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً .
وفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه صلى الله عليه وسلم صرح بتحريمه في يوم خيبر ، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضاً ، فقد ثبت في الصحيح من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب ، وهي من المغانم تباع ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذَّهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الذهب بالذهب وزناً بوزن » هذا لفظ مسلم في صحيحه ، وفي لفظ له في صحيحه أيضاً عن فضالة بن عبيد قال : اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : « لا تباع حتى تفصل » وفي لفظ له في صحيحه أيضاً عن فضالة رضي الله عنه قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نبايع اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تبيعوا الذهب بالذهب ، إلا وزناً بوزن « وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر ، فقدم بتمر جنيب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تفعلوا ، ولكن مثلاً بمثل ، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا ، وكذلك الميزان « هذا لفظ مسلم في صحيحه . وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أكل تمر خيبر هكذا « ؟ قال : لا والله يا رسول الله . إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً « والأحاديث بمثله كثيرة ، وهي نص صريح في تصريحه صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد فتح خير . فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح : أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجراً ، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده ، فتصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها ، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر ، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث ، وأيضاً فالبراء وزيد رضي الله عنهما كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل ، فإنهم بالغون وقت التحمل .