السابعة : ولا غُرْمَ إلا إذا طالب الزوج الكافر ، فإذا حضر وطالب منعناها وغرمنا . فإن كانت ماتت قبل حضور الزوج لم نَغرَم المهر إذ لم يتحقق المنع . وإن كان المسمَّى خمراً أو خنزيراً لم نَغْرَم شيئاً ، لأنه لا قيمة له . وللشافعيّ في هذه الآية قولان : أحدهما أن هذا منسوخ . قال الشافعيّ : وإذا جاءتنا المرأة الحرّة من أهل الهُدنَة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى الإمام في دار السلام أو في دار الحرب ، فمن طلبها مِن وَلِيٍّ سِوَى زوجها مُنع منها بلا عِوَض . وإذا طلبها زوجها لنفسه أو غيره بوكالته ففيه قولان : أحدهما يعطي العِوض ، والقول ما قال الله عز وجل . وفيه قول آخر أنه لا يعطي الزوج المشرك الذي جاءت زوجته مسلمة العِوض . فإن شرط الإمامُ ردّ النساء كان الشرط ورسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يرد النساء كان شرط من شرط ردّ النساء منسوخاً وليس عليه عِوض ، لأن الشرط المنسوخ باطل ولا عوض للباطل .
الثامنة : أمر الله تعالى بردّ مثل ما أنفقوا إلى الأزواج ، وأن المخاطب بهذا الإمامُ ، ينفذ مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعيّن له مصرف . وقال مقاتل : يردّ المهر الذي يتزوّجها من المسلمين ، فإن لم يتزوجها من المسلمين أحد فليس لزوجها الكافر شيء .
وقال قتادة : الحكم في ردّ الصداق إنما هو في نساء أهل العهد؛ فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يردّ إليهم الصداق . والأمر كما قاله .
التاسعة : قوله تعالى : ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ يعني إذا أسلمن وانقضت عدتهنّ؛ لما ثبت من تحريم نكاح المشركة والمعتدّة . فإن أسلمت قبل الدخول ثبت النكاح في الحال ولها التزوّج .
العاشرة : قوله تعالى : ﴿ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أباح نكاحها بشرط المهر؛ لأن الإسلام فرّق بينها وبين زوجها الكافر .
الحادية عشرة : قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر ﴾ قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك . وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى : ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [ البقرة : 231 ] . وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو «وَلاَ تُمَسِّكُوا» مشدّدة من التمسك . يقال : مَسَّك يمسّك تمسُّكاً؛ بمعنى أمسك يُمسك . وقرىء «وَلاَتَمَسكوا» بنصب التاء؛ أي لا تتمسكوا . والعِصَم جمع العِصْمة؛ وهو ما اعتصم به . والمراد بالعصمة هنا النكاح . يقول : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّ بها ، فليست له امرأة ، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين . وعن النَّخَعِيّ : هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر؛ وكان الكفار يتزوّجون المسلمات والمسلمون يتزوجون المشركات؛ ثم نسخ ذلك في هذه الآية . فطلق عمر بن الخطاب حينئذٍ امرأتين له بمكة مشركتين : قُرَيبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة . وأمّ كُلْثوم بنت عمرو الخُزَاعِيّة أم عبد الله بن المغيرة؛ فتزوجها أبو جَهم بن حُذافة وهما على شركهما . فلما وَلِيَ عمر قال أبو سفيان لمعاوية : طلّق قُرَيبة لئلا يرى عمر سلَبَه في بيتك ، فأبى معاوية من ذلك . وكانت عند طلحة بن عبيد الله أرْوَى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما ، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص ، وكانت ممن فرّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم من نساء الكفار ، فحبسها وزوّجها خالداً . وزوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم زينب ابنته وكانت كافرة من أبي العاص بن الربيع ، ثم أسلمت وأسلم زوجها بعدها . ذَكر عبد الرزاق عن ابن جُريج عن رجل عن ابن شهاب قال : أسلمت زينب بنت النبيّ صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم في الهجرة الأولى ، وزوجها أبو العاص بن الربيع عبد العُزَّى مشرك بمكة . الحديث ، وفيه : أنه أسلم بعدها . وكذلك قال الشعبي . قال الشَّعْبي : وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع ، فأسلمت ثم لحقت بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ، ثم أتى زوجها المدينة فأمّنته فأسلم فردّها عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم . وقال أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس : بالنكاح الأول؛ ولم يحدث شيئاً . قال محمد بن عمر في حديثه : بعد ست سنين .
وقال الحسن بن عليّ : بعد سنتين . قال أبو عمر : فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين : إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها ، وإما أن الأمر فيها منسوخ بقول الله عز وجل : ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ [ البقرة : 228 ] يعني في عدّتهنّ . وهذا ما لاخلاف فيه بين العلماء أنه عنى به العدة . وقال ابن شهاب الزهري رحمه الله في قصة زينب هذه : كان قبل أن تنزل الفرائض . وقال قتادة : كان هذا قبل أن تنزل سورة «براءة» بقطع العهود بينهم وبين المشركين . والله أعلم .