تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبيّن الله تعالى خروجهنّ عن عمومه . وفرّق بينهنّ وبين الرجال لأمرين : أحدهما أنهنّ ذوات فروج يحرمن عليهم . الثاني أنهنّ أرقّ قلوباً وأسرع تقلّباً منهم . فأما المقيمة منهنّ على شركها فمردودة عليهم .

الثالثة : قوله تعالى : ﴿ فامتحنوهن ﴾ قيل : إنه كان من أرادت منهنّ إضرار زوجها فقالت : سأهاجر إلى محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم بامتحانهنّ . واختلف فيما كان يمتحنهنّ به على ثلاثة أقوال :

الأوّل : قال ابن عباس : كانت الْمِحنَة أن تُستحلف بالله أنها ما خرجت من بغض زوجها ، ولا رغبةً من أرض إلى أرض ، ولا التماس دنيا ، ولا عشقاً لرجل منَّا؛ بل حُبّاً لله ولرسوله . فإذا حلفت بالله الذي لا إله إلا هو على ذلك ، أعطى النبيّ صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها وما أنفق عليها ولم يردّها؛ فذلك قوله تعالى : ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ .

الثاني : أن المحنة كانت أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ قاله ابن عباس أيضاً .

الثالث : بما بيّنه في السورة بعدُ من قوله تعالى : ﴿ ياأيها النبي إِذَا جَآءَكَ المؤمنات ﴾ قالت عائشة رضي الله عنها : ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتحن إلا بالآية التي قال الله : ﴿ إِذَا جَآءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ ﴾ رواه مَعْمَر عن الزُّهْرِي عن عائشة . خرّجه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح .

الرابعة : أكثر العلماء على أن هذا ناسخ لما كان عليه الصلاة والسلام عاهد عليه قريشاً ، مِن أنه يردّ إليهم من جاءه منهم مسلماً؛ فنُسِخ من ذلك النساء . وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن . وقال بعض العلماء : كله منسوخ في الرجال والنساء ، ولا يجوز أن يهادن الإمامُ العدوّ على أن يردّ إليهم من جاءه مسلماً ، لأن إقامة المسلم بأرض الشرك لا تجوز . وهذا مذهب الكوفيين . وعقد الصلح على ذلك جائز عند مالك . وقد احتج الكوفيون لما ذهبوا إليه من ذلك بحديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن خالد بن الوليد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى قوم من خَثْعَم فاعتصموا بالسجود فقتلهم ، فَوَداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف الدّية ، وقال « أنا بريء من كل مسلم أقام مع مشرك في دار الحرب لا تَراءَى نارُهما » قالوا : فهذا ناسخ لردّ المسلمين إلى المشركين ، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد برىء ممن أقام معهم في دار الحرب . ومذهب مالك والشافعي أن هذا الحكم غير منسوخ .

قال الشافعيّ : وليس لأحد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل يأمره ، لأنه يَليِ الأموال كلها . فمن عقد غير الخليفة هذا العقد فهو مردود .

الخامسة : قوله تعالى : ﴿ الله أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ﴾ أي هذا الإمتحان لكم ، والله أعلم بإيمانهن ، لأنه مُتَوَلِّي السرائر . ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾ أي بما يظهر من الإيمان . وقيل : إن علمتموهنّ مؤمنات قبل الامتحان ﴿ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ أي لم يحِلّ الله مؤمنة لكافر ، ولا نكاح مؤمن لمشركة .

وهذا أدَلّ دليل على أن الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها إسلامُها لا هجرتها . وقال أبو حنيفة : الذي فرّق بينهما هو اختلاف الدارين .

وإليه إشارة في مذهب مالك بل عبارة . والصحيح الأول ، لأن الله تعالى قال : ﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ فبيّن أن العلة عدم الحِلّ بالإسلام وليس باختلاف الدار . والله أعلم . وقال أبو عمر : لا فرق بين الدارين لا في الكتاب و لا في السنة ولا في القياس ، وإنما المراعاة في ذلك الدينان ، فباختلافهما يقع الحكم وباجتماعهما ، لا بالدار . والله المستعان .

السادسة : قوله تعالى : ﴿ وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾ أمر الله تعالى إذا أُمسِكت المرأة المسلمة أن يُرَدّ على زوجها ما أنفق ، وذلك من الوفاء بالعهد ، لأنه لما مُنع من أهله بحرمة الإسلام ، أمر برد المال ( إليه ) حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين : الزوجة والمال .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٥٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٥٦٤