تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فهيا خبث ، والله يريد أن يطيِّبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون ، والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد ، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم .. والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم ، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكرون معها هذه الحياة التي تعيشونها ، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها ، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعاً .. وإذا كنتم أنتم - لشقوتكم - لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية ، لأن أعداءكم - أعداء هذا الدين - يتكتلون للحيلولة دون قيام هذه الحياة ، ودون تجسد هذه الصورة ، فنحن قد رأيناها - والحمد لله ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا نشك في مجيئه !

هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام . لأن هذه هي الحقيقة ، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة . سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم . أم في أي مكان خاطب الناس فيه .

نظر إليهم من عل ، لأن هذه هي الحقيقة . وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنها حقيقة كذلك في طبيعته . وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته .. ولم يقل لهم أبداً : إنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة !

أو أنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها .. كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام .. مرة تحت عنوان : " ديمقراطية الإسلام " ! ومرة تحت عنوان " اشتراكية الإسلام " !

ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة !!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات !

كلا . إن الأمر مختلف جداً . والانتقال من هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض إلى الإسلام نقلة واسعة بعيدة ، وصورة الحياة الإسلامية مغايرة تماماً لصور الحياة الجاهلية قديماً وحديثاً . وهذه الشقوة التي تعانيها البشرية لن يرفعها عنها تغييرات طفيفة في جزئيات النظم والأوضاع . ولن ينجي البشر منها إلا تلك النقلة الواسعة البعيدة . النقلة من مناهج الخلق إلى منهج الخالق ، ومن نظم البشر إلى نظام رب البشر ، ومن أحكام العبيد إلى حكم رب العبيد .

هذه حقيقة . وحقيقة مثلها أن نجهر بها ونصدع ، وألا ندع الناس في شك منها ولا لبس .

وقد يكره الناس هذا في أول الأمر ، وقد يجفلون منه ويشفقون . ولكن الناس كذلك كرهوا مثل هذا وأشفقوا منه في أول العهد بالدعوة إلى الإسلام . أجفلوا وآذاهم أن يحقر محمد - صلى الله عليه وسلم - تصوراتهم ، ويعيب آلهتهم ، وينكر أوضاعهم ، ويعتزل عاداتهم وتقاليدهم ، ويتخذ لنفسه وللقلة المؤمنة معه أوضاعاً وقيماً وتقاليد غير أوضاع الجاهلية وقيمها وتقاليدها .

ثم ماذا ؟ ثم فاؤوا إلى الحق الذي لم يعجبهم أول مرة ، والذي أجفلوا منه :

{ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * .. [ المدثر : 50 – 51 ]

والذي حاربوه ودافعوه بكل ما يملكون من قوة وحيلة ، والذي عذبوا أهله عذاباً شديداً وهم ضعاف في مكة ، ثم قاتلوهم قتالاً عنيداً وهم أقوياء في المدينة ..

ولم تكن الدعوة في أول عهدها في وضع أقوى ولا أفضل منها الآن .. كانت مجهولة مستنكرة من الجاهلية ، وكانت محصورة في شعاب مكة ، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها ، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله . وكانت تحف بها امبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها . ولكنها مع هذا كله كانت قوية ، كما هي اليوم قوية ، وكما هي غداً قوية .. إن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها ، ومن ثَمَّ فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجاً . إنها تكمن في الحق البسيط الوضاح الذي نقوم عليه . وفي تناسقها مع الفطرة التي لا تملك أن تقاوم سلطانها طويلاً ، وفي قدرتها على قيادة البشرية صعداً في طريق التقدم ، في أية مرحلة كانت البشرية من التأخر أو التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والعقلي .. كما أنها تكمن في صراحتها هذه وهي تواجه الجاهلية بكل قواها المادية فلا تخرم حرفاً واحداً من أصولها ، ولا تربت على شهوات الجاهلية ، ولا تتدسس إليها تدسساً . إنما تصدع بالحق صدعاً مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة ..

والله الذي خلق البشر يعلم طبيعة تكوينهم ومداخل قلوبهم ويعلم كيف تستجيب حين تصدع بالحق صدعاً . في صراحة وقوة . بلا تلعثم ولا وصوصة !

إن النفس البشرية فيها الاستعداد للانتقال الكامل من حياة إلى حياة . وذلك قد يكون أيسر عليها من التعديلات الجزئية في أحيان كثيرة ..

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٥٢