وظيفة الإسلام إذن هي إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية ، وتولي هذه القيادة على منهجه الخاص ، المستقل الملامح ، الأَصيل الخصائص .. يريد بهذه القيادة الرشيدة الخير للبشرية واليسر . الخير الذي ينشأ من رد البشرية إلى خالقها ، واليسر الذي ينشأ من التنسيق بين حركة البشرية ، وتولي هذه القيادة منهجه الخاص ، المستقل ، ترتفع إلى المستوى الكريم الذي أراده الله لها، وتخلص من حكم الهوى . أو كما قال ربعي بن عامر حين سأله رستم قائد الفرس : ما الذي جاء بكم ؟ فكان جوابه : " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " .
لم يجيء الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم .. سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام ، أو ما تخوض البشرية فيه الآن ، في الشرق أو في الغرب سواء .. إنما جاء هذا كله إلغاءً ، وينسخه نسخاً ، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة . جاء لينشئ الحياة إنشاءً . لينشئ حياة تنبثق منه انبثاقاً ، وترتبط بمحوره ارتباطاً . وقد تشابه جزئيات منه جزئيات في الحياة التي يعيشها الناس في الجاهلية . ولكنها ليست هي ، وليست منها . إنما هي مجرد مصادفة هذا التشابه الظاهري الجانبي في الفروع . أما أصل الشجرة فهو مختلف تماماً . تلك شجرة تطلعها حكمة الله ، وهذه شجرة تطلعها أهواء البشر :
{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً * .. [ الأعراف : 58 ]
وهذه الجاهلية خبثت قديماً وخبثت حديثاً .. يختلف خبثها في مظهره وشكله ، ولكنه واحد في مغرسه وأصله .. إنه هوى البشر الجهال المغرضين ، الذين لا يملكون التخلص من جهلهم وغرضهم ، ومصلحة أفراد منهم أو طبقات أو أمم أو أجناس يغلبونها على العدل والحق والخير . حتى تجيء شريعة الله فتنسخ هذا كله ، وتشرِّع للناس جميعاً تشريعاً لا يشوبه جهل البشر ، ولا يلوِّثه هواهم ، ولا تميل به مصلحة فريق منهم .
ولأن هذا هو الفارق الأَصيل بين طبيعة منهج الله ومناهج الناس ، فإنه يستحيل الالتقاء بينهما في نظام واحد ، ويستحيل التوفيق بينهما في وضع واحد . ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا ونصفه من هناك . وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به . فكذلك هو لا يقبل منهجاً مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء . لأن هذه هي تلك على وجه اليقين .
هذه الحقيقة ينبغي أن تكون من القوة والوضوح في نفوسنا ونحن نقدم الإسلام للناس بحيث لا نتلجلج في الإدلاء بها ولا نتلعثم ، ولا ندع الناس في شك منها ، ولا نتركهم حتى يستيقنوا أن الإسلام حين يفيئون إليه سيبدِّل حياتهم تبديلاً ..
سيبدل تصوراتهم عن الحياة كلها . كما سيبدل أوضاعهم كذلك . سيبدلها ليعطيهم خيراً منها بما لا يقاس . سيبدلها ليرفع تصوراتهم ويرفع أوضاعهم ، ويجعلهم أقرب إلى المستوى الكريم اللائق بحياة الإنسان . ولن يبقى لهم شيئاً من أوضاع الجاهلية الهابطة التي هم فيها ، اللهم إلا الجزيئات التي يتصادف أن يكون لها من جزئيات النظام الإسلامي شبيه . وحتى هذه لن تكون هي بعينها ، لأنها ستكون مشدودة إلى أصل كبير يختلف اختلافاً بيِّناً عن الأصل الذي هم مشدودون إليه الآن : أصل الجاهلية النكد الخبيث !
وهو في الوقت ذاته لن يسلبهم شيئاً من المعرفة " العلمية البحتة " بل سيدفعها قوية إلى الأمام ..
يجب ألاَّ ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية ، كما أنه ليس أي نظام من أنظمة الحكم الوضعية .. بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعاً .. وإنما هو الإسلام فقط ! الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل ، وأوضاعه المستقلة . الإسلام الذي يحقق للبشرية خيراً مما تحلم به كله من وراء هذه الأوضاع . الإٍسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير .
وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو ، فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام ، في ثقة وقوة ، وفي عطف كذلك ورحمة .. ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الناس هو الباطل . وعطف الذي يرى شقوة البشر ، وهو يعرف كيف يسعدهم . ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى !
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً . ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة .. سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة ..