و " قال عمر رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة : خرجنا في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش ، وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصِر فَرَثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده . فقال أبو بكر : يا رسول الله ، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا . قال : «أتحب ذلك»؟ قال : نعم؛ فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملئوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر " . " وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا : كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأصاب الناسَ مجاعةٌ وقالوا : يا رسول الله ، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا . فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم «افعلوا» فجاء عمر وقال : يا رسول الله إن فعلوا قَلّ الظَّهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة . قال : «نعم» ثم دعا بنطع فبُسط ، ثم دعا بفضل الأزواد؛ فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ، ويجيء الآخر بكف تمر ، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير . قال أبو هريرة؛ فحزَرته فإذا هو قدر رُبضة العنز؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة . ثم قال : «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا في أوعيتهم حتى والذي لا إله إلا هو ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه ، وأكل القوم حتى شبعوا؛ وفضلت فضلة فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم : «أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسولُ الله لا يَلْقَى اللَّهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فيهما فيُحجب عن الجنة» " خرّجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه ، والحمد لله . وقال ابن عرفة : سُمِّي جيشُ تبوك جيشَ العُسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَدَب الناس إلى الغزو في حَمَارة القيظ ، فغلُظ عليهم وعَسُر ، وكان إبّان ابتياع الثمرة . قال : وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغز قبله في عدد مثله؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر ، ويوم أُحُد سبعمائة ، ويوم خيبر ألفاً وخمسمائة ، ويوم الفتح عشرة آلاف ، ويوم حُنين اثني عشر ألفاً؛ وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفاً وزيادة ، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب وأقام بتبوك شعبان وأياماً من رمضان ، وبَثّ سراياه وصالح أقواماً على الجزية . وفي هذه الغزاة خلّف عليّاً على المدينة فقال المنافقون : خلّفه بُغْضاً له؛ فخرج خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبره ، فقال عليه السلام : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " وبيّن أن قعوده بأمره عليه السلام يوازي في الأجر خروجه معه؛ لأن المدار على أمر الشارع . وإنما قيل لها : غزوة تبوك لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى قوماً من أصحابه يَبُوكُون حِسْيَ تبوك ، أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء ، فقال : " ما زلتم تَبُوكُونها بَوْكاً " فسمّيت تلك الغزوة غزوة تبوك . الحسي ( بالكسر ) ما تنشّفه الأرض من الرمل ، فإذا صار إلى صلابة أمسكتْه ، فتحفر عنه الرملَ فتستخرجه؛ وهو الاحتساء؛ قاله الجوهري .
قوله تعالى : ﴿ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ﴾ «قلوبُ» رفع ب «تزيغ» عند سيبويه . ويضمر في «كاد» الحديث تشبيهاً بكان؛ لأن الخبر يلزمها كما يلزم كان . وإن شئت رفعتها بكاد ، ويكون التقدير : من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ . وقرأ الأعمش وحمزة وحفص «يزيغ» بالياء ، وزعم أبو حاتم أن من قرأ «يزيغ» بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد . قال نحاس : والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع . حكى الفرّاء : رَحُب البلاد وأرحبت ، ورَحُبت لغة أهل الحجاز . واختلف في معنى تزيغ ، فقيل : تتلف بالجهد والمشقة والشدة . وقال ابن عباس : تعدل أي تميل عن الحق في الممانعة والنصرة .
وقيل : من بعد ما هَمّ فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحِقوا به . وقيل : هموا بالقُفُول فتاب الله عليهم وأمرهم به .
قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ قيل : توبته عليهم أن تدارك قلوبَهم حتى لم تَزِغ ، وكذلك سُنّة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب ، ووطّنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم . وينشد :
منك أرجو ولستُ أعرف رَبّاً ... يُرْتَجى منه بعضَ ما منك أرجو
وإذا اشتدّت الشدائد في الأر ... ض على الخلق فاستغاثوا وعجُّوا
وابتليت العباد بالخوف والجو ... ع وصَرُّوا على الذنوب ولَجُّوا
لم يكن لي سواك ربِّي ملاذ ... فتيقَّنت أنني بك أنْجو
وقال في حق الثلاثة : ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا ﴾ فقيل : معنى «ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ» أي وفقهم للتوبة ليتوبوا . وقيل : المعنى تاب عليهم؛ أي فسّح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا . وقيل : تاب عليهم ليثبتوا على التوبة . وقيل : المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم . وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا؛ دليله قوله عليه السلام : " اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لما خلق له " .