تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روى الترمذي : حدّثنا عبد بن حميد حدّثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري " عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال : لم أتخلف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بَدْراً ، ولم يعاتب النبيّ صلى الله عليه وسلم أحداً تخلف عن بدر ، إنما خرج يريد العِير فخرجت قريش مُغْوِثين لعِيرهم ، فالتقوا عن غير مَوعدٍ؛ كما قال الله تعالى؛ ولعمري إنّ أشرف مشاهِد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبَدْر ، وما أحبّ أني كنت شهدتُها مكان بيعتي ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، ثم لم أتخلف بعدُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوة تبوك ، وهي آخر غزوة غزاها ، وآذن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالرحيل؛ فذكر الحديث بطوله قال : فانطلقت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون ، وهو يستنير كاستنارة القمر ، وكان إذا سُرّ بالأمر استنار؛ فجئت فجلست بين يديه فقال : «أبشر يا كعب بن مالك بخير يومٍ أتى عليك منذ ولدتك أُمك» فقلت : يا نبيّ الله ، أمن عند الله أم من عندك؟ قال : «بل من عند الله ثم تلا هذه الآية ﴿ لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة ﴾ حتى بلغ ﴿ إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم ﴾ قال : وفينا أُنزلت أيضاً ﴿ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين ﴾ وذكر الحديث " وسيأتي بكماله من صحيح مسلم في قصة الثلاثة إن شاء الله تعالى .

واختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبيّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار على أقوال؛ فقال ابن عباس : كانت التوبة على النبيّ صلى الله عليه وسلم لأجل إذنه للمنافقين في القعود؛ دليله قوله : ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾ [ التوبة : 43 ] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه . وقيل : توبة الله عليهم استنقاذهم من شدّة العسرة . وقيل : خلاصهم من نكاية العدوّ ، وعُبِّر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه ، وهو الرجوع إلى الحالة الأُولى . وقال أهل المعاني : إنما ذُكر النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوبة لأنه لما كان سبب توبتهم ذُكر معهم؛ كقوله : ﴿ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ [ الأنفال : 41 ] .

قوله تعالى : ﴿ الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة ﴾ أي في وقت العسرة ، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرِد ساعة بعينها . وقيل : ساعة العسرة أشدّ الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة . والعسرة صعوبة الأمر . قال جابر : اجتمع عليهم عسرة الظَّهْر وعسرة الزاد وعسرة الماء . قال الحسن : كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم ، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتِنة ، وكان النَّفَر يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم ، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جُرْعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ، فلا يبقى من التمرة إلا النواة؛ فمضَوْا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم .

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٣٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٣٧٦