تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى : { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ * فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّابِقِ إلَى الْخَيْرِ عَلَى التَّالِي ; لِأَنَّهُ دَاعٍ إلَيْهِ يَسْبِقُهُ وَالتَّالِي تَابِعٌ لَهُ فَهُوَ إمَامٌ لَهُ وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : { مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ * , وَكَذَلِكَ السَّابِقُ إلَى الشَّرِّ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ التَّابِعِ لَهُ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ سَنَّهُ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ * يَعْنِي أَثْقَالَ مَنْ اقْتَدَى بِهِمْ فِي الشَّرِّ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ , أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا * وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : { مَا مِنْ قَتِيلٍ ظُلْمًا إلَّا وَعَلَى ابْنِ آدَمَ الْقَاتِلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ * وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ نَزَلَتْ الْآيَةُ , فَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ سِيرِينَ وَقَتَادَةَ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ صَلَّوْا إلَى الْقِبْلَتَيْنِ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : " فِيمَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ " . وَقَالَ غَيْرُهُمْ : " فِيمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ "

وقال ابن العربي (1):

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ] تَكْمِلَةٌ : مِنْ خَوَاصِّ هَؤُلَاءِ الْخَوَاصِّ وِسَادَةِ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * . وَهِيَ الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ , وَفِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَحْقِيقِ السَّبْقِ : وَهُوَ التَّقَدُّمُ فِي الصِّفَةِ , أَوْ فِي الزَّمَانِ , أَوْ فِي الْمَكَانِ , فَالصِّفَةُ الْإِيمَانُ , وَالزَّمَنُ لِمَنْ حَصَلَ فِي أَوَانٍ قَبْلَ أَوَانٍ , وَالْمَكَانُ مَنْ تَبَوَّأَ دَارَ النُّصْرَةِ , وَاِتَّخَذَهُ بَدَلًا عَنْ مَوْضِعِ الْهِجْرَةِ , وَهُمْ عَلَى ثَمَانِي مَرَاتِبَ : الْأُولَى : أَبُو بَكْرٍ , وَعُمَرُ , وَعُثْمَانُ , وَعَلِيٌّ , وَسَعْدٌ , وَبِلَالٌ , وَغَيْرُهُمْ . الثَّانِيَةُ : دَارُ النَّدْوَةِ . الثَّالِثَةُ : مُهَاجِرَةُ أَصْحَابِ الْحَبَشَةِ , كَعُثْمَانَ , وَالزُّبَيْرِ . الرَّابِعَةُ : أَصْحَابُ الْعَقَبَتَيْنِ , وَهُمْ الْأَنْصَارُ . الْخَامِسَةُ : قَوْمٌ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِقُبَاءَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ . السَّادِسَةُ : مَنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ . السَّابِعَةُ : أَهْلُ بَدْرٍ . الثَّامِنَةُ : أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ , وَبِهِمْ انْقَطَعَتْ الْأَوَّلِيَّةُ . وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الثَّامِنَةَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ , وَاخْتَارَ فِي تَفْسِيرِهَا ابْنُ الْمُسَيِّبِ , وَقَتَادَةُ , وَالْحَسَنُ مَنْ صَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ : { وَالْأَنْصَارِ * : بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ , فَيَكُونُونَ أَيْضًا فِيهَا عَلَى مَرَاتِبَ مِنْهُمْ الْعُقْبِيُّونَ , وَمِنْهُمْ أَهْلُ الْقِبْلَتَيْنِ , وَمِنْهُمْ الْبَدْرِيُّونَ , وَمِنْهُمْ الرِّضْوَانِيَّةُ , وَيَكُونُ الْوَقْفُ فِيهِمَا وَاحِدًا . وَقُرِئَ : وَالْأَنْصَارُ بِرَفْعِ الرَّاءِ , عَطْفًا عَلَى " وَالسَّابِقُونَ " وَيُعْزَى ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَقِرَاءَةِ الْحَسَنِ , وَاخْتَارَهُ يَعْقُوبُ , وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ بِرَفْعِ الرَّاءِ أَوْ خَفْضِهَا فَفِي الْأَنْصَارِ سَابِقٌ وَمُصَلٍّ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ وَاحِدٌ .

(1) - أحكام القرآن لابن العربي - (ج 4 / ص 400)

المفصل في أحكام الهجرة · الصفحة ٣٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في أحكام الهجرةص ٣٣٦