تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلتُ: مثالُه: وصفُ الكيلِ مثلاً إذا اعتُبرَ علةً لربويةِ أصنافِ الطعامِ الأربعَةِ؛ لأنَّهُ هوَ الوصفُ المستبقَى فِي السبرِ عندَ أبِي حنيفةَ لاَ تظهرُ فيهِ المناسبةُ؛ لأنَّ المناسبَ كما يقول في التنقيح هو: ما تضمَّنَ مصلحةً أوْ دَرَءَ مفسدةً.

فالمناسبةُ ملاءمةٌ خاصَّةٌ كما يقولُ فِي نشرِ البنودِ فِي شرحِه لقولِه فِي مراقِي السعود:

ثُمَّ المُنَاسِبُ الْذِي تَضَمَّنَا تَرَتُّبَ الحُكْمِ عَلَيْه مَا اعْتَنَى

بِهِ الّذِي شَرَعَ مِنْ إِبْعادِ مَفْسَدَةٍ أَوْ جَلْبِ ذِي سَدَادِ

المنحى الثاني:

العدولُ عنْ مقتضَى نصٍّ خاصٍّ لمخالفتِه أصلاً أوْ قاعدةً. كعدولِ الأحنافِ عنِ العملِ بحديثِ المصرَّاةِ لمخالفتِه لقاعدةِ منعِ بيعِ الطعامِ بالطعامِ نسيئَةً، وقاعدةِ منعِ المزابنةِ، وهو أمرٌ ثابتٌ بنصوص أخرَى.

كمَا لوْ أدَّى تطبيقُ النصِّ إلَى الإخلالِ بمقصَدٍ أولَى أوْ أعلَى. كامتناع عمر - رضي الله عنه - من تطبيق تغريبِ الزانِي البكرِ، مع ورودِ ذلكَ فِي الحديثِ الصحيحِ؛ لأنَّهُ يؤدِّي إلى التحاقِ المنفِيِّ بالكفارِ.

وقدْ عُلم حرصُ الشارعِ علَى هدايةِ الناسِ، وأنَّ الإبقاءَ على المسلمِ فِي دائرةِ الإسلامِ أولَى مِن تطبيقِ العقوبةِ عليهِ وافتتانِه. وقد قالَ عليّ رضي اللهُ عنهُ: كفَى بالنفيِ فتنةً.

ومعنى ذلك أن المجتهد اعتبر المقصد مخصصاً لعموم النص فهو في قوة الاستثناء فكأن الشارع يغرب سنة إلا إذا خيف كفره.

وردَّت عائشةُ رضيَ اللهُ عنها خبرَ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما: إنَّ الميتَ يعذبُ ببكاءِ أهلِه، بأصلٍ ثابتٍ عام، وهوَ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

وجمعاً بينَ الدليلينِ قالَ المالكيةُ والحنابلةُ أيضا: "ولاَ يُعذَّبُ ببكاءٍ لمْ يوصِ بِه". حملاً لخبرِ ابنِ عمرَ علَى الموصى بِه.

المعاملات والمقاصد · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المعاملات والمقاصدص ١٦