المنحى السادس:
تدخلُ المقاصدُ فِي بحثِ مفهومِ المخالفةِ، وذلكَ أحياناً تعضيداً لدلالةِ مفهومِ المخالفةِ، وتارةً رداً وتفنيداً.
فمن الأول: ما ذهبَ إليهِ الجمهورُ مِن اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ فِي حديثِ: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرتْ فثَمرُهَا للبائِع؛ إلاَّ أنْ يشترطَ المُبتاع» (1)؛ مفهومُه أنَّها إذَا بيعتْ قبلَ الإبارِ فثمرتُها للمشترِي، عَضَّدوا ذلكَ مِن جهةِ المعنَى بقصدِ الشارعِ مكافأةَ مَن قامَ علَى الثمرةِ حتَّى صلحتْ؛ لأنَّها إذَا بيعتْ بعدَ التأبيرِ فإنَّ البائعَ هوَ الذِي قامَ عليهَا فاستحقَّها، وأمَّا قبلَه فإنَّ المشترِي هوَ الذِي عالجهَا وقامَ عليهَا فاستحقَّها.
أمَّا أبُو حنيفةَ فرأَى أنَّ الثمرةَ للبائعِ بيعتْ قبلَ الإبارِ أوْ بعدَه علَى أصلِه فِي نفْيِ مفهومِ المخالفَةِ.
المنحى السابع:
الاستحسانُ: سواءٌ كانَ عدولاً بالمسألةِ عَن نظائرِها، أوْ مراعاةً للمصلحةِ فِي تخصيصِ عامٍّ، أو استثناءً بالعرفِ، فإنَّه فِي أكثرِ الحالاتِ يراعِي معنًى مِن المعانِي؛ كاستحسانِ الأحنافِ إعطاءَ الزكاةِ لعبدِ الفقيرِ معَ أنَّ الزكاةَ لاَ تُعطَى لمَن تجبُ نفقتُه على الغيرِ؛ باعتبارِ فقْرِ عائِله، وأنَّ حكمةَ المنعِ هيَ غناهُ بإغناءِ العائِل.
واستحسانِ الإمامِ أحمدَ جوازَ اشتراءِ أرضِ الخراجِ ومنعِ بيعِها؛ لِلَمْحِ فرقٍ فِي الحكمةِ بينَ الإخراجِ والإدخالِ، كتفريقِ الأحنافِ بينَ ريقِ الحبيبِ فمَن ابتلعَه فسدَ صومُه، وريقِ البغيضِ الذِي يُعافُ، فلاَ يفطرُ بهِ الصائمُ نظراً إلى أنَّ الحكمةَ مِن الصومِ الإمساكُ عنْ الشهوةِ. وريقُ الأخيرِ غيرُ مشتَهى.
(1) - أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب المساقاة، باب الرجل يكون له ممراً أو شِرب في حائط أو نخل رقم 2379 وكتاب الشروط، باب إذا باع نخلاً قد أبرت رقم 2716 ومسلم في الصحيح: كتاب البيوع، باب من باع نخلاً عليها ثمر رقم 1543