(م د حم)، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: (بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الْمَسْجِدِ، وَنَحْنُ قُعُودٌ مَعَهُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ) (١) وفي رواية: (أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللهِ) (٢) (" فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "، ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، " فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - "، وَأُقِيمَتْ الصَلَاةُ) (٣) (" فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمَّا فَرَغَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ") (٤) (فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ؟، أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟ "، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " ثُمَّ شَهِدْتَ الصَلَاةَ مَعَنَا؟ "، فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: " فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ وفي رواية: ذَنْبَكَ ") (٥)
وفي رواية: " اذْهَبْ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْكَ " (٦)
(١) (م) ٤٥ - (٢٧٦٥)، (حم) ٢٢٢١٧
(٢) (حم) ٢٢٢١٧، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
(٣) (م) ٤٥ - (٢٧٦٥)، (حم) ٢٢٢١٧
(٤) (حم) ٢٢٢١٧، (م) ٤٥ - (٢٧٦٥)
(٥) (م) ٤٥ - (٢٧٦٥)، (حم) ٢٢٢١٧
(٦) (د) ٤٣٨١، (حم) ٢٢٣٤٠
قال ابن القيم في إعلام الموقعين ج٢ص٦٠: فَهَذَا لَمَّا جَاءَ تَائِبًا بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَاعِزٌ جَاءَ تَائِبًا، وَالْغَامِدِيَّةُ جَاءَتْ تَائِبَةً، وَأَقَامَ عَلَيْهِمَا الْحَدَّ.
قِيلَ: لَا رَيْبَ أَنَّهُمَا جَاءَا تَائِبَيْنِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَدَّ أُقِيمَ عَلَيْهِمَا، وَبِهِمَا احْتَجَّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِمَا مَضْمُونُهُ: بِأَنَّ الْحَدَّ مُطَهِّرٌ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ مُطَهِّرَةٌ، وَهُمَا اخْتَارَا التَّطْهِيرَ بِالْحَدِّ عَلَى التَّطْهِيرِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، وَأَبَيَا إلَّا أَنْ يُطَهَّرَا بِالْحَدِّ، فَأَجَابَهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ - إلَى ذَلِكَ، وَأَرْشَدَ إلَى اخْتِيَارِ التَّطْهِيرِ بِالتَّوْبَةِ عَلَى التَّطْهِيرِ بِالْحَدِّ، فَقَالَ فِي حَقِّ مَاعِزٍ: " هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ "، وَلَوْ تَعَيَّنَ الْحَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَمَا جَازَ تَرْكُهُ، بَلْ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَهُ كَمَا قَالَ لِصَاحِبِ الْحَدِّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ: " اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ "، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ، كَمَا أَقَامَهُ عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ لَمَّا اخْتَارَا إقَامَتَهُ وَأَبَيَا إلَّا التَّطْهِيرَ بِهِ، وَلِذَلِكَ رَدَّهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ - مِرَارًا، وَهُمَا يَأبَيَانِ إلَّا إقَامَتَهُ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا الْمَسْلَكُ مَسْلَكٌ وَسَطٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ إقَامَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَلْبَتَّةَ، وَبَيْنَ مَسْلَكِ مَنْ يَقُولُ: لَا أَثَرَ لِلتَّوْبَةِ فِي إسْقَاطِهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ السُّنَّةَ، رَأَيْتَهَا لَا تَدُلُّ إلَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْوَسَطِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. أ. هـ