(خ)، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ - وَرَأَى سِكَّةً (١) وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ - فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: " لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الذُّلَّ " (٢)
وفي رواية: " مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَغْدُو عَلَيْهِمْ فَدَّانٌ (٣) إِلَّا ذَلُّوا " (٤)
الشرح (٥)
(١) السِّكَّة: هِيَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تُحْرَثُ بِهَا الْأَرْض. فتح الباري (٧/ ١٦٩)
(٢) (خ) ٢١٩٦، (طس) ٨٩٢١، (مش) ٢٣٠
(٣) الْفَدَّان: آلَةُ الْحَرْث، وَالسِّكَّة. فتح الباري (ج ١٠ / ص ٨٤)
(٤) (طب) ج٨ص٢٩٣ح٨١٢٣، انظر صَحِيح الْجَامِع: ٥٦٩٨
(٥) قال الألباني في السلسلة الصحيحة ح١٠: التكالُب على الدنيا يورث الذل ذكرتُ في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما لَا يَدع مجالا للشك في أن الإسلام شَرَع ذلك للمسلمين، ورغَّبَهم فيه أيَّما ترغيب، واليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة، أو القلوب المريضة، أنها مُعارِضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير مُنافية له إذا ما أُحْسِن فَهْمُها، وخَلَت النفسُ من اتِّباع هواها!، وقد وفَّق العلماء بين هذا الحديث والأحاديث المتقدِّمة في المَقال المشار إليه بوجهين اثنين:
أ - أن المراد بالذُّل، ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تُطالبهم بها الولاة من خراج أو عُشر، فمن أدخل نفسه في ذلك، فقد عَرَّضها للذل.
قال المناوي في (الفيض): " وليس هذا ذَمًّا للزراعة، فإنها محمودة، مُثاب عليها،لكثرة أكل العوافي منها، إذ لَا تَلازُم بين ذُلِّ الدنيا وحرمان ثواب البعض.
ولهذا قال ابن التين: هذا من أخباره - ﷺ - بالمغيَّبات، لأن المُشَاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث.
ب - أنه محمول على من شَغَله الحرثُ والزرعُ عن القيام بالواجبات، كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري، حيث ترجم للحديث بقوله: " باب ما يُحْذَر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدِّ الذي أُمِرَ به ".
فإن من المعلوم أن الغُلُوَّ في السعي وراء الكسب، يُلْهي صاحبه عن الواجب، ويَحمله على التَّكالُب على الدنيا، والإخلاد إلى الأرض، والإعراض عن الجهاد، كما هو مُشاهد من الكثيرين من الأغنياء. أ. هـ