(خ م)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟، قَالَ: " أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا (١) وَهُوَ خَلَقَكَ (٢) "، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، ثُمَّ أَيٌّ؟، قَالَ: " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ (٣) "، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟، قَالَ: " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ (٤» (٥) (فَأَنْزَلَ اللهُ - عز وجل - تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (٧) ") (٨)
الشرح (٩)
(١) أَيْ: مِثْلًا وَنَظِيرًا فِي دُعَائِك أَوْ عِبَادَتِك. عون المعبود (٥/ ١٨١)
(٢) أَيْ أَنَّهُ سبحانه وتعالى اِنْفَرَدَ بِخَلْقِك، فَكَيْف لَكَ اِتِّخَاذُ شَرِيكٍ مَعَهُ، وَجَعْلِ عِبَادَتِكَ مَقْسُومَةً بَيْنهمَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ شَرِيك، وَكَوْنِ الشَّرِيكِ بَاطِلًا فِي ذَاتِه - لَوْ فُرِضَ وُجُودُ شَرِيكٍ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْهُ - لَمَا حَسُنَ مِنْكَ اِتِّخَاذُهُ شَرِيكًا مَعَهُ فِي عِبَادَتِكَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَا خَلَقَك، وَإِنَّمَا خَلَقَكَ اللهُ تَعَالَى مُنْفَرِدًا بِخَلْقِك.
وَفِي الْخِطَابِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشِّرْكَ مِنْ الْعَالِمِ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ أَقْبَحُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِه. شرح سنن النسائي - (ج ٥ / ص ٣٩٤)
(٣) أَيْ: خَشْيَةَ أَنْ يَأكُلَ مَعَكَ، مِنْ جِهَةِ إِيثَارِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ مَا يَكْفِي، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْبُخْلِ مَعَ الْوِجْدَان، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ خَشْيَة إِمْلَاق﴾ أَيْ: فَقْر. فتح الباري - (ج ١٣ / ص ٢٧٦)
(٤) أَيْ: زَوْجَة جَارِك، وَمَعْنَى " تُزَانِي " أَيْ: تَزْنِي بِهَا بِرِضَاهَا، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الزِّنَا، وَهُوَ مَعَ اِمْرَأَةِ الْجَارِ أَشَدُّ قُبْحًا، وَأَعْظَمُ جُرْمًا، لِأَنَّ الْجَارَ يَتَوَقَّعُ مِنْ جَارِه الذَّبَّ عَنْهُ وَعَنْ حَرِيمِه، وَيَأمَنُ بَوَائِقَهُ، وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، وَقَدْ أُمِرَ بِإِكْرَامِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَإِذَا قَابَلَ هَذَا كُلَّهُ بِالزِّنَا بِامْرَأَتِهِ وَإِفْسَادهَا عَلَيْهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْهُ، كَانَ فِي غَايَةٍ مِنْ الْقُبْح. شرح النووي (ج ١ / ص ١٨٧)
ورَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَاد بْن الْأَسْوَد قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟، قَالُوا: حَرَام، قَالَ: " لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَة، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِه ".فتح الباري - (ج ١٣ / ص ٢٧٦)
(٥) (م) ٨٦، (خ) ٤٢٠٧
(٦) الأَثَام: العقاب. تفسير الطبري - (ج ١٩ / ص ٣٠٣)
(٧) [الفرقان/٦٩]
(٨) (خ) ٦٤٦٨، (م) ٨٦
(٩) هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ أَكْبَرَ الْمَعَاصِي الشِّرْك، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ، وَأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ يَلِيه، وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه - فِي كِتَابِ الشَّهَادَات مِنْ (مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ)، وَأَمَّا مَا سِوَاهُمَا مِنْ الزِّنَا، وَاللِّوَاط، وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَالسِّحْر، وَقَذْف الْمُحْصَنَات، وَالْفِرَار يَوْم الزَّحْف، وَأَكْل الرِّبَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِر، فَلَهَا تَفَاصِيلُ وَأَحْكَامٌ تُعْرَفُ بِهَا مَرَاتِبُهَا، وَيَخْتَلِفُ أَمْرُهَا بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَال، وَالْمَفَاسِدِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَيْهِ. شرح النووي (١/ ١٨٧)