(خ م جة)، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (" كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا) (١) (ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ (٢) فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فَقَالَ: بَعْدَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا؟) (٣) (لَا) (٤) (لَيْسَتْ لَكَ تَوْبَةٌ، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، قَالَ: نَعَمْ (٥) وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟) (٦) (اخْرُجْ مِنْ الْقَرْيَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ، قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا) (٧) (فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاعْبُدْ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ) (٨) (يُرِيدُ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ) (٩) (حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ، أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إلى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ (١٠) فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ) (١١) (أَقْرَبَ، فَأَلْحِقُوهُ بِأَهْلِهَا) (١٢) (فَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي (١٣) وَأَوْحَى اللهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي (١٤) فَقَاسُوهُ، فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ (١٥) ") (١٦)
(١) (خ) ٣٢٨٣
(٢) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى - عليه السلام - لِأَنَّ الرَّهْبَانِيَّة إِنَّمَا اِبْتَدَعَهَا أَتْبَاعُه، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن. فتح الباري (ج ١٠ / ص ٢٧٣)
(٣) (جة) ٢٦٢٦، (م) ٢٧٦٦
(٤) (خ) ٣٢٨٣، (م) ٢٧٦٦
(٥) هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِلْم، وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى صِحَّةِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ عَمْدًا، وَلَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا اِبْن عَبَّاس، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِنْ خِلَافِ هَذَا، فَمُرَادُ قَائِلِه الزَّجْرُ عَنْ سَبَبِ التَّوْبَة، لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ تَوْبَتِه وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَهُوَ إِنْ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلنَا، وَفِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ خِلَاف، فَلَيْسَ مَوْضِعَ خِلَاف، وَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَتَقْرِيرِه، فَإِنْ وَرَدَ، كَانَ شَرْعًا لَنَا بِلَا شَكٍّ، وَهَذَا قَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِهِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَر وَلَا يَقْتُلُونَ﴾ إِلَى قَوْله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الْآيَة.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدًا فِيهَا﴾ فَالصَّوَاب فِي مَعْنَاهَا: أَنَّ جَزَاءَهُ جَهَنَّم، وَقَدْ يُجَازَى بِهِ، وَقَدْ يُجَازَى بِغَيْرِهِ، وَقَدْ لَا يُجَازَى، بَلْ يُعْفَى عَنْهُ، فَإِنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْتَحِلًّا لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأوِيل، فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدّ، يَخْلُدُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِلّ، بَلْ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ مُرْتَكِبٌ كَبِيرَة، جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، لَكِنْ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا فِيهَا، فَلَا يَخْلُدُ هَذَا، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ فَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَصْلًا، وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْهُ، بَلْ يُعَذَّبُ كَسَائِرِ الْعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مَعَهُمْ إِلَى الْجَنَّة، وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّار، فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي مَعْنَى الْآيَة، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَازَى بِعُقُوبَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَنْ يَتَحَتَّم ذَلِكَ الْجَزَاء
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ فِي جَهَنَّم، وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهَا ﴿جَزَاؤُهُ﴾ أَيْ: يَسْتَحِقُّ أَنْ يُجَازَى بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْخُلُودِ: طُول الْمُدَّة، لَا الدَّوَام. شرح النووي (٩/ ١٤٣)
(٦) (م) ٢٧٦٦، (جة) ٢٦٢٦
(٧) (جة) ٢٦٢٦
(٨) (م) ٢٧٦٦
(٩) (جة) ٢٦٢٦
(١٠) أَيْ: جَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ حَكَمًا.
(١١) (م) ٢٧٦٦
(١٢) (جة) ٢٦٢٦
(١٣) أَيْ: الْقَرْيَة الَّتِي قَصَدَهَا. فتح الباري (ج ١٠ / ص ٢٧٣)
(١٤) أَيْ: إِلَى الْقَرْيَة الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا. فتح الباري (ج ١٠ / ص ٢٧٣)
(١٥) فِي الْحَدِيث فَضْلُ التَّحَوُّلِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يُصِيبُ الْإِنْسَانُ فِيهَا الْمَعْصِيَة، لِمَا يَغْلِبُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
وَفِيهِ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِد، لِأَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ أَوَّلًا بِأَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْعِبَادَة، فَاسْتَعْظَمَ وُقُوعَ مَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الْقَاتِل، مِنْ اِسْتِجْرَائِهِ عَلَى قَتْلِ هَذَا الْعَدَدِ الْكَثِير، وَأَمَّا الثَّانِي فَغَلَبَ عَلَيْهِ الْعِلْم، فَأَفْتَاهُ بِالصَّوَابِ، وَدَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاة، وَفِيهِ أَنَّ لِلْحَاكِمِ إِذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَحْوَالُ، وَتَعَدَّدَتْ الْبَيِّنَاتُ، أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالْقَرَائِنِ عَلَى التَّرْجِيح. فتح الباري (١٠/ ٢٧٣)
(١٦) (م) ٢٧٦٦، (خ) ٣٢٨٣