الْإيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَل (١)
(١) قال البخاري في صحيحه (١/ ١٠): وَهُوَ (أَيْ: الْإِيمَان) قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ، وَيَنْقُصُ.
قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦): أَمَّا الْقَوْل، فَالْمُرَاد بِهِ النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَمَّا الْعَمَل، فَالْمُرَاد بِهِ مَا هُوَ أَعَمّ مِنْ عَمَل الْقَلْب وَالْجَوَارِح، لِيَدْخُلَ الِاعْتِقَاد وَالْعِبَادَات.
وَمُرَادُ مَنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ فِي تَعْرِيف الْإِيمَان، وَمَنْ نَفَاهُ، إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْد الله تَعَالَى، فَالسَّلَف قَالُوا: هُوَ اِعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ شَرْطٌ فِي كَمَالِهِ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَ ثَمَّ الْقَوْلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْص كَمَا سَيَأتِي.
وَالْمُرْجِئَة قَالُوا: هُوَ اِعْتِقَادٌ وَنُطْقٌ فَقَطْ.
وَالْكَرَامِيَّة قَالُوا: هُوَ نُطْق فَقَطْ.
وَالْمُعْتَزِلَة قَالُوا: هُوَ الْعَمَلُ وَالنُّطْقُ وَالِاعْتِقَادُ.
وَالْفَارِق بَيْنهمْ وَبَيْن السَّلَف أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَعْمَالَ شَرْطًا فِي صِحَّتِه، وَالسَّلَفُ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ.
وَهَذَا كُلّه كَمَا قُلْنَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْد الله تَعَالَى، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدنَا، فَالْإِيمَان هُوَ الْإِقْرَار فَقَطْ، فَمَنْ أَقَرَّ، أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَام فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُحْكَم عَلَيْهِ بِكُفْرٍ، إِلَّا إِنْ اِقْتَرَنَ بِهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِه، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكُفْر، كَالْفِسْقِ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْإِيمَان، فَبِالنَّظَرِ إِلَى إِقْرَارِه، وَمَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِيمَانَ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى كَمَالِهِ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْر، فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الْكَافِر، وَمَنْ نَفَاهُ عَنْهُ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَتِه.
وَأَثْبَتَتْ الْمُعْتَزِلَة الْوَاسِطَة، فَقَالُوا: الْفَاسِقُ لَا مُؤْمِنٌ، وَلَا كَافِر.
وَرَوَى اللَّالِكَائِيّ فِي " كِتَاب السُّنَّة " بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنْ الْبُخَارِيّ قَالَ: " لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُص ".
وَقَالَ الْحَاكِم فِي مَنَاقِب الشَّافِعِيّ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس الْأَصَمّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيع قَالَ: سَمِعْت الشَّافِعِيّ يَقُول: " الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ "
وقال الحافظ في (١/ ٤٨): وَقَدْ اِسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ تَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
قَالَ الشَّافِعِيّ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَحَجُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَة. أَخْرَجَهُ الْخَلَّال فِي كِتَاب " السُّنَّة " (١٠٣٧، ١٠٣٨).