معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه)) (1)، وفي تفسير ابن كثير: ((﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك اليوم معاملة من ينساك ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: 51] فإن الجزاء من جنس العمل)) (2)، وفي أيسر التفاسير للجزائري: ((﴿أعينهم في غطاء عن ذكري﴾: أي عن القرآن لا يفتحون أعينهم فيما تقرأه عليهم بغضاً له أو أعين قلوبهم وهي البصائر فهي في أكنة لا تبصر الحق ولا تعرفه)) (3).
ـ الإحساس بوجود كلام للخالق وإنزاله إلى الناس:
ـ أكبر دليل على وجود الخالق وعلى الرسل والدين هو أن كلام الخالق بين يديك تقرأه، والدليل على أن الذي بين يديك تقرأه هو كلام الله الإعجاز الذي فيه (كالإعجاز البلاغي والعلمي وغير ذلك من ألوان الإعجاز) وكذلك معجزات الرسل وإعجاز السنة، فلابد من اليقين الحقيقي بآيات الله المقروءة.
ـ إذا ألقى أحد الرؤساء أو الزعماء أو القادة خطبة فإنك تجد اهتمام الناس والإعلام بكلام وتصريحات الرؤساء والزعماء وتحليل أقوالهم، وذلك لأنه طالما أن الكلام صادر عن مسئول كبير أو عن عظيم فكلامه مهم وعظيم يهتم به الناس، وإذا أهمل الناس وتجاهلوا كلام زعيم من الزعماء فهذا يعني أن ذلك الزعيم ليس ذو أهمية في نظرهم، إذن عظمة الكلام تأتي من عظمة قائلها، فالقرآن هو خطاب الله إلى البشر، ودعوة الرسل هي إخبار الناس بوصول هذا الخطاب إليهم، فإذا كنت لا تشعر بقدر وعظمة القرآن، فإن القرآن في مشاعرك هو كلام عادي مثل كلام أي شخص عادي، وإن كان في الاقتناع النظري هو كلام الله العظيم وهو القرآن العظيم، وهذا هو الفرق بين الاقتناع النظري والإحساس بقدر القرآن.
ـ الإحساس بقدر ما يعنيه وصول كلام من الخالق:
ـ لقد وضع علماء الفلك أجهزة استقبال هائلة تستطيع أن تستقبل أصوات أو رسائل لأي كائنات يمكن أن تكون موجودة في مجرات أخري فذلك أمر عجيب، إن هناك قوة خفية عنا هي التي تدير هذا الكون الهائل فذلك قوة الخالق، فكيف نتصور أن يصل إلينا كلام من الخالق من فوق سبع سماوات وليس من مجرة أخري إلى سكان الكرة الأرضية من البشر ووصوله بلغة البشر وتحديدا باللغة العربية؟، كيف ينزل هذه الكلام وكيف يمكن استقباله؟، إنه أمر عظيم يشتاق إليه الإنسان ليعرف مَنْ هذا الخالق وماذا يريد منا؟، تخيل حال الناس بغير أن تنزل الكتب السماوية أو يأتي الرسل إنهم سوف يتمنون أن يرسل الخالق إليهم رسالة يعرفهم بمراده ويقسموا أنهم سيكونون في قمة الخضوع والشكر لذلك: ((وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)) (4)، إنه كلام ليس من كائنات متطورة عنا ولكنه من الذي بيده ملكوت كل شيء إلى سكان هذه الهباءة من الأرض.
ـ إن القرآن هو رسالة من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فهو بين أيدينا الآن نقرأه في عالم الشهادة، لو كان القرآن الذي بين أيدينا الآن هو كلام لرجل في عالم الغيب ينصحنا فيه ويعرفنا بما يكون من أمر الآخرة لكان له شأنا عظيما، فما بالك وهو كلام الخالق وهو يخبرنا بما يكون من أمر المستقبل في الآخرة.
ـ تصور رسالة نزلت إلينا من السماء مكتوب فيها: " من الله تعالى إلى الناس ....... " مثلا فكيف تشعر بكلام الله وكيف تتعامل مع كلام الله من العظمة؟، فإن إنزال القرآن من عند الله ليس أمر عادي وإنما يدعو إلى الشعور بالانبهار والوجل والتعظيم.
ـ إنك إذا نظرت إلى ساحر مثلا فيأخذك العجب وتتفاعل مشاعرك بما يصنع، فماذا لو كان سحره هذا حقيقة؟، فما بالك والقرآن أعظم معجزة فهو أعظم من معجزات كل الأنبياء، فهل تنظر إلى القرآن بين يديك علي أنه معجزة فتتفاعل مشاعرك بما فيه من إعجاز؟.
ـ إذن فالإحساس بوصول كلام من الخالق يعني الشعور بخوف المهابة والحب لأن الإنسان يحب الشيء العظيم القيمة الهام، ولكنك تجد أن القرآن نزل علي الإنسان فلم يتأثر به في حين لو نزل القرآن علي جبل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ: ((لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)) (5)، وما أكثر ما ورد عن الصحابة والتابعين عن تأثرهم بالقرآن لمجرد أنهم شعروا أنه كلام الخالق العظيم سبحانه إلى العبيد من البشر.
ـ إن الذي يحمل مصحفا ولا يدري مدى خطورة ما يحمل وقيمته وما يعنيه من الأهمية، وبالتالي لا يعمل بما فيه فهو كالحمار: ففي تفسير ابن كثير: ((يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها فهو يحملها حملا حسيا لا يدري ما عليه وكذلك هؤلاء في
(1) تفسير الرازي (ج: 7، ص: 109)
(2) تفسير ابن كثير ـ دار طيبة (5/ 324)
(3) أيسر التفاسير للجزائري (ج: 2، ص: 399)
(4) طه: 134
(5) الحشر: من الآية 21