تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالا من الحمير لأن الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: (أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون))) (1).

ـ تخيل لو أن هناك كنز عظيم جدا يطمح إليه كل الناس لكن لا أحد يعرف مكانه بالضبط وكيفية الوصول إليه، فإذا وجدت خريطة مكتوب فيها مكان الكنز وكيفية الوصول إليه كيف يكون فرحك وحبك لمدى أهمية وخطورة هذه الخريطة، إن هذا الكنز حقيقي فعلا وأعظم من كل الكنوز التي يتخيلها الإنسان وهو الجنة وهذه الخريطة هي القرآن، أو تخيل لو أن هناك كارثة متوقعة سوف تهلك الناس ولا أحد يعرف كيفية الخلاص فإذا وجدت خريطة مكتوب فيها كيفية الخلاص من هذه الكارثة فكيف يكون فرحك وحبك لهذه الخريطة، إن هذه الكارثة حقيقية فعلا وهي النار، وهذه الخريطة هي القرآن، أو تخيل أننا نعيش من غير رسل فلا أحد يدرى ما سر الحياة وما سر الأشياء ولماذا خلقنا ثم عثرت على مخطوطة قديمة تكشف لنا هذه الأسرار فكيف يكون فرحك بها وحبك لها، إن هذه المخطوطة هي القرآن، فإذا لم تشعر بشيء من حب القرآن لما فيه من الخير ولأنه كلام الخالق الذي تحبه ولم تشعر بشيء من خوف المهابة من أنه كلام الخالق نفسه ولخطورة ما فيه فأنت لا تؤمن إيمانا حقيقيا بالقرآن: ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) (2)، ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)) (3)، ((وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً)) (4).

ـ الشعور بأن هذا القرآن هو كلام الله:

ـ ويتم ذلك من خلال الإحساس بقدر إعجاز القرآن والسنة، ومن هنا يظهر أهمية معرفة ألوان الإعجاز في القرآن كالإعجاز العلمي والبلاغي وغيره ولكن ليس كمعرفة نظرية ولكن كمعرفة حقيقية ينشأ عنها تفاعل المشاعر والتحير والتعجب لخطورة هذا الإعجاز.

ـ الإحساس بعظمة وقدر المتكلم (الله سبحانه وتعالي):

ـ عندما تقرأ القرآن لابد أن تشعر بقدر مَنْ هو قائل آيات القرآن الذي يخاطبك ويخاطب الناس، وتشعر بعظمة القرآن من شعورك بعظمة الله، وتشعر بأن الله يكلمك أنت، وأن هذا الخطاب موجه إليك من فوق سبع سماوات، وإلا فمَنْ الذي يكلمك، فلابد أن تشعر بالمتكلم (الله سبحانه) وتشعر بالمخاطب وهو أنت أو الناس، وإلا فأنت لا تشعر بمَنْ قائل هذا الكلام ولمَنْ يقوله، فيكون هذا صلة مادية محسوسة تزيد من شعورك بوجود الله وصفاته.

ـ من المشاعر الناشئة عن الإحساس بقدر القرآن:

1 ـ الشعور بخوف المهابة والرهبة والوجل والتعظيم لأن عظمته من عظمة الله: ((يقول ابن الجوزي: (والله لو أن مؤمناً عاقلاً قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الكرسي وسورة الإخلاص بتفكر وتدبر لتصدّع قلبه من خشية الله وتحيّر من عظمة الله ربّه))) (5).

2 ـ حب القرآن: الشعور بحب القرآن لأنه عظيم القدر من عظمة الله سبحانه، ولأن القرآن هو كلام وصل إليك من حبيبك فأنت تحبه، ولأنه يدلك على طريق الهداية، فلو أن إنسان دلك علي طريق مضمونة تكسب بها مليون جنيه!، بماذا كنت تشعر حينئذ؟، إنك كنت ستحبه حبا جما ويكون عندك ذو قدر عظيم، فما بالك والقرآن قد دلك علي طريق السعادة الأبدية في جنات النعيم ودلك علي طريق النجاة من نار الجحيم: ((وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) (6)، فالقرآن مليء بضرب الأمثال والإيضاحات لتحقيق مراد الله من الناس، وذلك رحمة من الله بالناس، بل إن الله قد أخبر الناس بما سيحدث في الآخرة، وأوضح لهم كل العقبات التي يمكن تعوق تحقيقهم لمراد الله حتى العقبات التي في داخل أنفسهم، فأقام عليهم الحجة دامغة.

ـ أثر اليقين الحقيقي بالقرآن:

1 ـ خوف المهابة والوجل من كلام الله تعالى ومن وصوله إلينا: ((إنما الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)) (7)، ((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) (8).

(1) تفسير القرآن العظيم ـ اسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ـ دار الفكر ـ بيروت (ج: 4، ص: 365)

(2) الزمر: من الآية 23

(3) الأنفال: من الآية 2

(4) الإسراء: من الآية 59

(5) سلسلة أعمال القلوب للشيخ محمد المنجد (ج: 1، ص: 71)

(6) الشورى: من الآية 52

(7) الأنفال: من الآية 2

(8) الزمر: 23

الإيمان الحقيقي · الصفحة ١٥٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإيمان الحقيقيص ١٥٩