لا توجد آخرة ولا ملائكة ولا حساب، فليس في مشاعره ولا في حساباته شيء اسمه الجنة أو النار أو أن هناك ربا يسمعه ويراه، وذلك رغم وجود اليقين النظري التام بالغيبيات، وحقيقة اليقين عنده هو أنه لا يؤمن بالغيبيات.
2 ـ غيبيين: فهؤلاء محور حياتهم يدور حول الغيب، أي قضيتهم التي يعيشون لها هي قضية غيبية، فهؤلاء يؤمنون بأن القرآن هو كلام الخالق، وبالتالي يؤمنون بما أخبرهم به القرآن من مجيء الآخرة وأمور الغيبيات، فهؤلاء أخرويين أو ربانيين أو عارفين، وهؤلاء هم العارفين بالله معرفة حقيقية، وهم يعيشون في انتظار واستعداد لمجيء الحياة الأخرى، فالذي يؤمن بالقرآن إيمانا حقيقيا هو رجل غيبي أخروي رباني بمعنى أن عيشته وفكره وقضيته وسلوكه تدل على أنه يعيش في انتظار حياة أخرى، ويعيش كأنه يفر من أحد أو يخافه (يفر من الله ويخافه) ويعيش معيشة المسافر الغريب عن وطنه وأهله المستعد للرحيل.
ـ الإجابة على سؤال القبر: " ما دينك؟ ":
ـ الدين معناه المبادئ التي يعتقدها الإنسان ويعيش وفقا لها، أي الفكرة أو المنهج الذي على أساسه يبني الإنسان عمله وسلوكه، أي الهدف الأكبر الذي يعيش لتحقيقه، فإذا كانت قضية الإنسان التي يعيش لها هي مسألة نزول كلام الخالق إلى البشر (القرآن) وما تضمنه القرآن من وجود الآخرة والغيبيات، فهو رجل يعيش من أجل قضية غيبية (نزول الوحي بالقرآن) ويستعد للمعيشة في العالم الآخر (الآخرة)، فهذا الرجل هو الذي يجيب في القبر فيقول: (ديني الإسلام).
ـ وإذا كان يعيش الإنسان وفقا لهواه وما يريده لنفسه، فهو يعبد هواه، ولأن الهوى ليس له مبدأ محدد فهو يتخبط، لأن يخترع لنفسه أهدافا لا تحقق سعادته ويعيش في إطارها، وهو يتغافل عن أن يكون للخالق كلاما نزل إلى البشر رغم وجود اليقين النظري التام بذلك، فهو لا دين له، فهذا الرجل يجيب في القبر فيقول: (هاه هاه لا أدري).
ـ تعبيرات القرآن عن الكفر بالقرآن:
ـ الغفلة والغمرة (1): مثل قوله تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)، (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)، (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا)، (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ)، (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا).
ـ النسيان: مثل قوله تعالى: (يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ)، (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي)، (كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا)، (وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ).
ـ الإعراض والصدف (2): مثل قوله تعالى: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ)، (وَمَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ)، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي)، (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ)، (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ)، (وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)، (وَمَا تَاتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا)، (الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا).
ـ التولي: مثل قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا)، (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ).
ـ عدم التدبر والتبصر والتذكر والتفقه والتفهم للقرآن لمعرفة أنه كلام الله وأنه الحق معرفة حقيقية: مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا)، (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ)، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا).
ـ العمى والعشى: مثل قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى)، (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ).
ـ الاستكبار والعناد: مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا)، (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا).
ـ عدم اليقين: مثل قوله تعالى: (كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ).
ـ الاستهزاء والنظر إلى القرآن كأنه هزل أو عديم القيمة أو أساطير: مثل قوله تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا)، (وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا)، (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).
ـ عدم الإيمان: مثل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، كما وصفت الآيات المؤمنين بالإيمان بالقرآن: (إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا)، (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا)، (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا)، (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ).
ـ الكفر: مثل قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ)، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ).
ـ التكذيب: مثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ)، (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا)، (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ).
ـ الجحود: مثل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، (الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا)، (وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)، (يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ).
ـ الإلحاد والتحريف: مثل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا)، (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ).
ـ ملحوظة: كلمة (الذكر) تعني القرآن، فالقرآن هو تذكرة للغافلين: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)، وكلمة (آيات) تعني القرآن أو الآيات الكونية أو معجزات الرسل، فمثلا الآيات في قوله: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) تعني الآيات الكونية.
ـ مفهوم اليقين بالقرآن:
ـ اليقين بالقرآن نقصد به الجانب الغيبي أي اليقين بأنه ليس كلام أحد من البشر وليس كلام مخلوقات أرقي من البشر على كوكب آخر ولكنه كلام ممن لا نراه ومن فوق سبع سماوات، إنه من الخالق نفسه سبحانه إلى عبيده من المخلوقات على ظهر الكرة الأرضية، واليقين الحقيقي بالقرآن هو الشعور بأنه ليس كلاما بشريا وإنما كلام الخالق نفسه، وينشأ عن ذلك اليقين بما جاء في القرآن.
ـ مفهوم الغفلة عن القرآن (تناسي معنى القرآن):
ـ هي عدم الإحساس بنزول كلام من خالق الكون من فوق سبع سماوات إلى الناس عن طريق الوحي، أي التغافل والتناسي بوصول رسالة من عالم الغيب الذي لا نراه تتحدث بلغة البشر وليست صادرة عن واحدا من البشر ولكن من الخالق نفسه، ولا نرى صاحب الرسالة (الخالق) ولا حامل الرسالة (جبريل) ولكن نزلت على أحد البشر (الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فأخبرنا بأنه وصل إليه كلام خالق الكون وأنه مكلف لإبلاغه إلى البشر، وهذه الرسالة مكتوبة بين أيدينا الآن هي القرآن، فعدم الشعور بهيبة وغرابة وخطورة هذا الأمر معناه الغفلة عن القرآن أو نسيان القرآن، وهناك آيات تتحدث عن الغفلة عن القرآن ونسيان القرآن كالتالي:
ـ جاء في تفسير السراج المنير: ((﴿حتى نسوا الذكر﴾ أي: تركوا الإيمان بالقرآن، وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه)) (3)، وفي تفسير الكشف والبيان: ((بل قلوبهم في غمرة (عمى وغفلة) من هذا (القرآن))) (4)، وفي تفسير القرطبي: ((بل هم عن ذكر ربهم أي عن القرآن وقيل عن مواعظ ربهم وقيل عن معرفته معرضون لاهون غافلون)) (5)، وفي تفسير الطبري: ((﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن هؤلاء العادلين بربِّهم الأوثانَ والأصنامَ من قومك يا محمد "من يستمع إليك"، يقول: من يستمع القرآن منك، ويستمع ما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه، ولا يفقه ما تقول ولا يُوعِيه قلبَه، ولا يتدبره، ولا يصغي له سمعه، ليتفقهه فيفهم حجج الله عليه في تنزيله الذي أنزله عليك، إنما يسمع صوتك وقراءَتك وكلامك، ولا يعقل عنك ما تقول، لأن الله قد جعل على قلبه "أكنّة")) (6)، وفي تفسير الرازي: (((وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ): ﴿يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾
(1) الغمرة أي الغفلة
(2) الصدف معناه الإعراض.
(3) تفسير السراج المنير ـ موافق للمطبوع (3/ 9)
(4) الكشف والبيان ـ موافق للمطبوع (7/ 51)
(5) تفسير القرطبي (ج: 11، ص: 291)
(6) تفسير البغوي (ج: 7، ص: 283)