إن عواطف الإلحاد الديني، والفوضى الخلقية، والاجتماعية عرفها الشرق الإسلامى في سياسة الغرب الصليبى قبل أن تتحرك نذرها من أى مكان آخر، وما نحسه من فسوق وعصيان جاء من الغرب لا من الشرق.، ونحن بإذاء ذلك، وأمام الصراع الذى يوشك أن يجتاح الدنيا لا نرى بدا من الوقوف بعيدا لنعمل في صبر ومثابرة على علاج عللنا .. واستنقاذ تراثنا، وإحياء مثلنا، والعيش في كنف ديننا الحنيف .. إن الحياد الدقيق في هذا الصراع العالمى ضرورة يفرضها علينا حرصنا على الإسلام، وحرصنا على مصالحنا المشروعة .. والانضمام إلى الغرب بعد ما استبان موقفه منا يجوز أن يوصف بأى شىء إلا بأنه حمإية للإيمان أو انتصار للحرية، اللهم إلا أن تكون حرية الجبابرة في البطش، وإيمان الوثنية بهدم التوحيد .. على أنه قد يكون من طبيعة الحياد أن تقف ساكنا بعيدا عن هذا وبعيدا عن ذاك .. وهذا حياد سلبى مريب النتائج لا نوصى به. أما الحياد الإيجابى فهو يكلفك أن تقوى خصائصك الروحية وأن تنمى مواردك المادية وأن تقبل على خاصة نفسك إقبالا يغنيك عن هذا وذاك، ويقطع آمال الفريقين في استغلالك واستتباعك. والحياد بهذا المدنى لا يكون بالنسبة لنا إلا إسلاميا محضا .. ومن العبث تصور حياد إيجابى يذهل عن الإسلام أو يستهين بربط الأمة به ودفع شئونها إليه .. بل لن يكون هذا إلا الفراغ، والطبيعة- كما يقال- تكره الفراغ، وكما يحاول الهواء الاندفاع إلى الآنية المفرغة من أى ثغرة، فستحاول التيارات الأجنبية الاندفاع إلى كل فراغ يخلفه خلو القلوب من العقيدة وخلو المجتمع من الدين .. لذلك قلنا: إن الحياد لابد أن يكون إيجابيا، أى إسلاميا لحما ودما، قوامه النهوض بحضارتنا الفذة والامتداد مع تاريخنا القديم العظيم .. وخير ما ننهى به هذا البحث قول الأستاذ حسن البنا: لقد اختفت المثل العليا تمام الاختفاء، وغابت عنا الأنظار والقلوب، تلك الأهداف الجميلة التى نادى بها هؤلاء الناس ساعة العسرة، وجندوا باسمها قوى الأمم ص_251
الإستعمار أحقاد وأطماع · الصفحة ٢٥٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الإستعمار أحقاد وأطماعص ٢٥٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي