11 ـ الحياد .. كما نفهمه
للأفلاك الدائرة قوانين ثابتة تتصل بسرعتها ووجهتها. والمعروف عنها أن صغراها تدور حول كبراها، كما يدور القمر حول الأرض وكما تدور الأرض حول الشمس. وهذه المجموعات الفلكية تلتزم أوضاعها، فلا تتمرد عليها ولا تنحرف عنها. القمر لا يفكر في النمو والتضخم حتى يكره أمه الأرض أن تدور حوله بدل أن يدور حولها. وكذلك الأرض بالنسبة للشمس. وكذلك المجموعة الشمسية بالنسبة إلى زميلاتها السابحة في الملكوت الرحب وفق نظام مقدور لا تند عنه حتى ينفخ في الصور ...
* * *
لكن المجتمع الإنسانى لا يعرف هذه الأوضاع الثابتة. فكم من أمة كانت بالأمس ذيلا أصبحت اليوم رأسا. وكم من أمة ظلت في مكان الصدارة قرونا فإذا هى اليوم تسير وئيدا في مؤخرة الركب. وصدق الله العظيم إذ يقول: (وتلك الأيام نداولها بين الناس). والأمم تعلو وتهبط وفق سنن جديرة بالدراسة والاعتبار. وإذا كانت هناك متاجر تربح وأخرى تفلس، وحقول تزهر وأخرى تيبس فإن ذلك لا يقع خبط عشواء، كلا، إنه نتيجة حتم لمقدمات تجمعت. وقد لفت الله نظر العرب إلى المدنيات التى بادت والحضارات التى خمدت حتى يأخذوا من ذلك درسا لا ينسى، قال الله تعالى: (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون).
* * *
ص_239