تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونظرة عجلى إلى القوى الكبرى البارزة اليوم في العالم تدل على أن حركة المد والجذر في المجتمع الانسانى تغدو وتروح بسرعة غريبة. فالولايات المتحدة مثلا، أمة بلا تاريخ، كانت منذ قرنين مستعمرة لإنجلترا، وكانت منذ عدة قرون أرضا مجهولة للأسرة الإنسانية المتحضرة. وروسيا قبل نصف قرن فقط كانت أمة من الهمل غاية ما تؤمل في هذه الدنيا أن تنجو بجلدها من جيرانها الأقوياء! والصين ركام من الخلائق لا يحسب العالم له حسابا ولا يحترم له ابتعادا أو اقتربا ... واليوم نرى هذه القوى المحدثة تتنازع الصدارة، وتريد أن تبسط نفوذها على أوسع رقعة من الأرض، وأكبر أعداد من الخلق ... وننظر نحن إلى هذا التنافس، وما يكمن وراءه من أطماع فلا يبهرنا بريقه، ولا يستفزنا وعده ولا وعيده، ولا نتجاوز به حده في ماض الإنسانية ولا حاضرها. ذلك لأننا أمة ذات طراز خاص، مكثنا ألف سنة أو يزيد ننفخ الروح في حضارة العالم، ونمد بالوقود مصابيح المعرفة. فإذا كان القدر الذى يداول الأيام بين الناس قد جعل بعض الدول يملك من أسباب القوة ما يغريه بالتطاول فليفعل ما يحلو له. ولكن محاولته أن يفرض نفسه على الآخرين هو في نظرنا ضرب من غرور القوة. نعم، إن الدول التى تريد اليوم أن تعلن وصايتها على غيرها تظن مستقبل العالم امتدادا لحاضره، وهذا خطأ. ولو كان الأمر كذلك لبقيت هى في مكانتها القديمة لا تساوى في ميزان الحق شيئا. إن أجناسا أخرى كثيرة من حقها أن تشق طريقها في الحياة بعيدا عن تيارات الدول الكبرى. ومن حقها أن تبتعد عن هذه الدول خصوصا في ميدان المساومات والمؤامرات التى تضيع فيها المبادئ الشريفة والمثل الرفيعة، وتهلك فيها قضايا الأمم المستضعفة ... إن عدم الانحياز- والحالة هذه- يكسر من كبرياء المغرورين، ويوقظ السكارى بخمر القوة من نشوتهم، فيدركون أن في الوجود شيئا أخرا أقوى من السلاح، وأشرف من القوة، وهو الحق والعدل، ومن الاعتراف بالواقع أن نقول: أن الحضارة الأوروبية بشقيها الشيوعى والرأسمالى قد نفذت إلى أغلب القارات، ومدت تفكيرها المذهبى والاقتصادى والسياسى إلى أرجاء فيحاء في العالم الكبير. ص_240

الإستعمار أحقاد وأطماع · الصفحة ٢٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الإستعمار أحقاد وأطماعص ٢٣٩